يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الأحد، 3 يناير 2021

الجِسْر وحوريَّة النهر. قِصَّة قصيرة. تأليف فيصل المصري.

نشر من قبل Faissal El Masri  |   7:20 م

 


الجِسْر وحوريَّة النهر

قصة قصيرة.

تأليف فيصل المصري


الفصل الأول :


قِصَّة قصيرة، من واقع الحياة

فيها من اليأس، والأمل

فيها من الشيخوخة، والشباب

فيها من الجحود، والوفاء

فيها من الحب، والخيانة.

وفيها من يباس العمر القاتل.   

وفيها أُمور أُخرى



كان يأتي الى الجِسْر كل يوم ...

بعد أن تقدَّم بالعمر عتياً ...

وبعد أن تقوَّص ظهره، وغزا الشيب مفرقه ...

وبعد أن أمسَت الوحدة أنيسته لا تفارقه ...

كان يسير كل يوم مع إشراقة شمس الصباح على ضفاف نهر قرب منزله ...

وكان يستريح إن تعِبَ على ضفة النهر قُبالَة جِسْر قديم ... 

يسندُ وجههُ على راحة ِ كفَّيه متأملاً، سارحاً ... 

الهمّ  يكاد أن  يَقْتُله ...

والحُزنُ يكاد أن  يَعْصُرَه ... 

والألَم  يكاد أن ينخره ...

ملَّ الحياة ... 

وأوجعته الخيبات ...

وأنهكته الخيانات ...

يستعجل الرحيل ...

ويُردِّد بأعلى صوته ...

آن الرحيل ...

آن الرحيل ...


تكرر هذا المشهد اليومي الحزين أمام الجِسْر إلى أن  

وذات مرَّة  فاجأه الجِسْر وخاطبه بكلام بشري ... 

إنتفض مذعوراً من صوتٍ  صادر من جِسْر قديم.  

تلفَّت يُمنة ويُسرة وعلَت قسمات وجهه دهشة واستغراب. كأن لوثةً قد حَلَّت في عقله

تسمَّر في مكانه لا يدري ماذا يفعل، يسكنه الارتباك والقلق

عاد الجِسر وصرخ  فيه بنبرة قاسية غاضبة :       

توَّقف يا هذا ...

توَّقف يا هذا ...

أوقِف هذا النحيب والاحباط والتشاؤم ...

ردَّدت الوديان صدى صوت الجسر مرَّات ومرَّات وتابع حديثه آمراً :

إغرُف من ماء النهر ...

وإغسِل وجهكَ  …

وإمسِح عرقك

وإمشي

وإمشي


لم يحِن مِيعادُكَ بعد

لم يحِن مِيعادُكَ  بعد


أنهى الجِسْر موعظته الغاضبة  والشديدة  اللهجَة وتابعت من بعده تردِّد صوته الوديان وتهتزُّ له الأرجاء ...

ساد صمتٌ رهيب لم يقطعه إلا ما حصل ما لم يكن بالحسبان ...

وقف مشدوهاً  مذهولاً  على ضفة النهر لا حِراك فيه ...

نظر إلى النهر فإذ بالماء تنحسر وتغيب  وتتوقَّف عن الخرير.  

مسحَ  عينيه لعلَّ غشاوة ما حجبت ناظريه، لكنَّ الوضع لم يتبدَّل ولَم يرَ شيئاً جديداً. أشاح نظره عن النهر ثمَّ عاد وفرك عينيه من جديد متأمِّلاً النهر لكن دون جدوى

المشهد هو ذاته

انحبست المياه واختفت فجأة ...


ليس النهر واختفائه هو كل ما رأته عيناه في تلك اللحظات التي مرَّت وكأنَّها يوم القيامة

أشاح وجهه عن النهر ونظر الى الجبال المحيطة به فإذا بها تكسوها الثلوج وتغطيها من كلِّ حدبٍ وصوب.

تذكَّر أنَّ المطر في الليلة الماضية، كان كثيراً  ومنهمِراً بغزارة

تملَّكته الحيرة وأخذته الرهبة يفكِّر في أمر هذا النهر !

كيف توقَّف عن الجريان.  

أصابه الخوف، وانتابه شعور غريب، وتوجَّس خِفية من حدوث ظاهرة غير طبيعية، في المكان.  

آثر الرجوع الى منزله ...

وبينما كان يهمُّ في العودة حزيناً  كئيباً  لإختفاء النهر، سمع صوتاً مِن بعيد يُناديه :

إنَّه الجِسْر مُجدّداً...

يقول له :

عُدْ إلى هنا !

لا تذهب !

وكيف تذهب

ألا تريد أن تعرف سبب انحسار مياه النهر وتوقُّف  جريانه ؟ 

أجاب العجوز بصوتٍ أجش والخوف يتملَّكه والحزن يقبض على روحه، فقال له :

نعم أُريد أن أعرف السبب

أجابه الجِسْر

إنَّه مِثْلُكَ  ...

يُعاني ....

يُقاسي ....

ويتحمَّل ...

خيبات وجحود وقلَّة الوفاء ....

مياهه تصُّب في البحر ...

سُدوده تروي أراضٍ بغير ذي زرع ...

توَّقف وانحسبت مياهُه ....

مِثْلكَ أنت

مِثْلُكَ أنت

عاد الصدى يتردَّد في الوديان وعادت الأرجاء تهتزّ مُنذرةً بتصدُّع البُنيان !   

قال العجوز للجِسْر مُتعجباً يعتصره الحزن، مُنهكاً لا يقوى على الحراك

إنِّي مُتعب ولا أقوى على انحباس مياه النهر، واستميحك عذراً  بالعودة لمنزلي فأنا لم أعُد أحتمل ما تراه عيناي.

أجابه الجِسْر :

حسناً إذهب الآن، لكن عِدني أن تعود غداً

عُدْ غداً ...

عُدْ غداً ...

هناك  مفاجأة بانتظارك ...

وعاد الصوت يردِّد صداه !


تملَّكت الحيرة العجوز بعد هذه المحادثة مع الجِسْر، واحتار في مسالة العودة والسير على ضفاف النهر.  

بدأت الأفكار تتجاذبه والهموم تنتابه.  

ندب حظَّه السيئ الذي ما انفكَّ يلاقيه وينتظره ...

انحبست مياه النهر في ذلك النهار، وعاد العجوز  أدراجه إلى منزله، لكن الذي لم يكن يتوقَّعه وأذهله ولَم يكن بالحسبان وهو يهمُّ بالعودة، ...

أنَّ أسراب الطيور ملأت فضاء السماء ترافقه، وُقِطعان الغزلان والبط والأرانب تسير جنباً إلى جنب معه ...


أثارته الدهشة ممَّا يجري، فتوقَّف مُجدَّداً يُلقي نظرة الوداع على الجِسْر والنهر، تملَّكه التعجُّب مرَّة أخرى.

كلَّ شيئ غريب والدنيا لم تعد كما كانت، انقلبت رأساً على عقب

لَمْ  يَعُد يرى أي طيرٍ يطير

أو حشرةٍ  زاحفةٍ ...

ولم يَعُد يسمع ...

نقيق الضفادع ...

ولا ضغيب الأرانب ...

ولا سليل الغزلان ...

ولا مأمأة الخرفان ...

ولا ثُغاء الماعز ...

ولا فحيح الافاعي ...

ولا صهيل الأحصنة ...

ولا نِباح  الكلاب ...

ولا خفوق الطيور ...

ولا زقزقة العصافير ...

ولا دندنة البعوض ...

ولا وغي النحل ... 

ولا نقّ العقارب ...

ولا صرير الجُندُب ...

كلُّها اختفت

توقَّفت الحياة عن الدوران في ذلك النهار بعد انحباس مياه النهر.  


انقطع عن زيارة الجِسْر والسير على ضفاف النهر لأيام عِدَّة.  

ولكنَّ الحنين الى الجِسْر عاد ليجتاح تفكيره، وهو الرجل العجوز الذي فارقه الخِلاَّن والاصحاب ...

لم يُكلِّمه أي أحد سوى هذا الجِسْر المُعلَّق فوق النهر، بعد رَحِيل عائلته وأولاده عنه ...

لم يتأخَّر في اتخاذ القرار فحزم أمره وقرَّر معاودة زياراته إلى صديقه الجديد ذلك الجِسْر، كليمه وأنيسه ومُبدِّد  حدته

استفاق فجر ذلك الصباح الذي قرَّر فيه العودة إلى الجِسْر والنهر مصعُوقاً حيث سمع عن بُعْد أصواتاً تَصدُر عن الجِسْر.  

صوت أغصان  الشجر وهو يُصدر صفيقاً ...

صوت أوراق الشجر وهو يُصدر حفيفاً ...

صوت العشب  اليابس وهي يُصدر هزيزاً … 

صوت القصب  وهو يُصدر غِناءً

وصوت الصباح  وهو يُنشد ألحاناً  مُفرحة ...

استعجل القدوم  للجِسْر صعقه ما  شاهده، وبهره  ما رأت عيناه ...

إنهَّ ماء النهر  يتدفق خريراً ...

إنَّه الجِسْر  يقهقهه عالياً ...


قال للجِسْر ... 

ما بك ٓ يا صديقي الجديد ...

في الأمس كنتَ  غاضباً واليوم تضحك فرحاً !  

أجابه الجِسْر:

نعم كنت غاضباً على انحباس ماء النهر ...

وكنت غاضباً منك بالذات على تشاؤمك ...

كنت أبكي مع حوريَّة النهر ...

أجاب العجوز والدهشة تعلو مُحيَّاه :

ماذا ؟؟؟

حوريَّة النهر !!!

هل توجد في النهر حوريَّة ...

لم أُشاهد طوال حياتي ولَم أسمع بالرغم من تقدُّمي بالسن بأنَّ الحواري تسكن الأنهار، فكيف لها أن تأتي إلى هذا النهر وكيف تنتقل من شواطئ البحار إلى ضفاف الأنهر، بالله عليك أفهمني !.

أجابه الجِسْر مُبتسماً ...

نعم، ثمّّ  نعم، ثمَّ  نعم ...

لهذا النهر حوريَّة جميلة، عندما انحبست مياه النهر حَزِنت، وحزِنْت أنا معها ...

أصابنا البكاء وانهمرت دموعنا حتى فاضت ضفَّتيه من تلك الدُموع.  

وها هو الآن يتدفَّق

يتدفَّق

وسيتدفَّق

وبدأ الجِسْر يتكلَّم ويتكلَّم فَرِحاً وسعيداً ...


وقال له :

يبدو أنَّ وضعنا متشابه، ومُتماثل، أنت أصبحت كبيراً في العمر وقد غزا الشيب مفرقك، وأنا اصبحت جِسْراً قديماً هزيلا ً مُعلَّقاً  بين الأرض والسماء آيلاً للسقوط


تابع الجِسْر حديثه للرجل العجوز :

سأخبرك كل يوم قِصَّة، شرط أن تعدني وعداً قاطعاً  ...

أجابه العجوز

ما هو

قال له الجِسْر :

أن تأتي كل صباح وكل يوم إلى هنا !   

أجابه العجوز :

هذا أسهل شرطٍ  اشترطه عليَّ أحد.  

ولكن لماذا أيُّها الجِسْر هذا الإصرار وهذا الإلحاح الذي لم أَجِد له تفسيراً بعد

قال ...

عندما عجزت ودخلت في العمر عتيّاً، أحسست نفسي عاجزة لا تقوى على شيئ

شعرت أنَّ المارَّة ينفضُّون عنِّي ويغربون وجوههم عني إلى أماكن أُخرى، ولا يكترثون لحالي ...

هذا بعد أن كنت

أسمعُ همومهم ...

أفرحُ  لقصصهم ...

أتحمَّلُ أكاذيبهم ...

وقد :

مللت من زيفهم ...

وتغاضيت عن كيدهم ...

وعفوت عن ذنبهم ...

فأتكأت  جانباً حزيناً مهموماً ...


سمع العجوز بتأنٍّ وإنصات للجسر وقال له

هذه هي طبيعة البشر الذين مَرُّوا عليك ...

وهذا ما أشكوه أنا ايضاً ...

لا  تٓعْتب ... ولا ... تيأسْ ...

فأنا أصبحت أراك مصدر إلهامي، وآمالي وبهجة أحلامي

وساعة راحتي ...

بعد أن نهرتني ذاك اليوم، وطلبت منِّي أن أتوقَّف عن التشاؤم ودُعاء الرحيل، أخذت بنصيحتك وخضعت لمشورتك وقبلت رأيك ...

واعتبرتك صديقي وكليمي ومخبأ سِرّي ...

وقرَّرت العودة والسير على ضفاف النهر حتى ألقاك كل صباح.  

أجابه الجِسْر والسرور والسعادة والبهجة تعِمُّ المكان

أهلاً بك صديقاً صدوقاً ... 

غداً ألقاك يا صديقي

أجابه العجوز ...

إنَّ غداً لناظره قريبغداً ألقاك ..

لأنَّه يومٌ آخر ...


الفصل الثاني


بعد هذا اللقاء، توطدَّت أواصر الصداقة بين الاثنين، وفي اليوم التالي وعلى جري عادته في السير باكراً  مع طلوع الشمس، وبينما كان يسير على ضفاف النهر وإذ يرى مشهداً تسمَّر على إثره في مكانه

توقّف العجوز مشدوهاً لا حِراك فيه

فالمشهد الذي رآه لم يرَ له مثيلاً في حياته

لمح بصره من بعيد إمرأة فائقة الجمال

ليس جمال المرأة هو كل ما رأته عيناه

فالمرأة كانت :

تطير حولها الطيور غِناءً ...

تنحني أمامها الأزهار  غِنجاً  ودلالاً   ...

تسجُد لها الأغصان  إِحتراماً  ...

تجلس على ضفة النهر ...

نِصفها الأعلى  إمرأة بشريَّة  ...

والنصف الاخر سمكة  ...

تُرخي ذيلها الأسفل  ...

تُداعب به مياه النهر ...

تأتي الأسماك  لتقبَّلها ...

ويعبِقُ الجو بعطرِ رائحتها ...


وبينما العجوز مشدوهاً  لما تراه عيناه، وإذ بصوت ينهره من بعيد ...

إنَّه الجِسْر  ...

يصرخ  بأعلى صوته موجِّهاً  كلامه للعجوز ...

إرحلْ  من هنا ...

إرحلْ  من هنا ...

إنَّها حوريَّة النهر  ...


إنَّه وقت عِبَادتها ...

إنَّه  وقت ممارسة  طقوسها ...

أجابه العجوز وعلامات التعجُّب باديةً عليه ...

ما بك أيُّها الجِسْر

بالأمس كنت صديقاً واليوم تطلب منِّي الرحيل ؟

أجابه الجِسْر  ..،

وما زِلْت صديقك، وما أقوله لك ليس له علاقة بمدى صداقتنا ومتانتها، بل بما تقوم به حوريَّة النهر، فهذا وقت صلاتها وعبادتها وهي تؤثر البقاء وحيدة

تسربل العجوز من كلام الجِسْر ووقف ولم يُحرِّك ساكناً، وما هي إلَّا  لحظات حتى قفل عائداً حزيناً من حيث أتى




لم ينم العجوز تلك الليلة، فما رآه من مشهدية الحوريَّة والأجواء المحيطة بها ألهب مشاعره وعقله وأشعل علامات التعجُّب داخله

حوريَّة على ضفاف النهر وليس على شاطئ البحر !


مع إشراقة شمس النهار قام العجوز مُسرعاً على غير عادته مُتجهاً ناحية الجِسْر، لعلَّه يلتقي  بحوريَّة النهر ...

وبينما هو ينتظرها، التفت يميناً وشمالاً  وفِي كل الاتجاهات يفتِّش عنها دون جدوى

وبينما هو على هذه الحال ينتظر ويتأمل، نظر الى أسفل الجِسْر فرأى المياه تتدّفق بغزارة راحت تُسْمِعُه خرِيرُها وهي تتراكضُ ضاحكة ً مُتزاحمةً.  

أمعن النظر إلى من يسير على الجِسْر ...

رأى وجوهاً ...

غاضبةً  ...

مُتجهِّمةً ...

عابسةً  ...


قلَّما وجد وجوهاً ...

ضاحكةً ...

باسمةً ...

أو فرحةً ...

همَّ بالرجوع والعودَّة ...


استوقفه الجِسْر قائلاً ...

لماذا العجلة ... 

إمكُثْ قليلا ً ...


قال له العجوز مُتأفِّفاً ...

انتظرتها كثيراً كما أنتظرها كل يوم ولَم تأتِ ...

أجابه الجِسْر

إنَّها كئيبة اليوم ...

نَظَرَت إلى السماء لم تجِد إلَّا  غيوماً  مُلبَّدة تتراكض وتتقاتل، لَمْ تجد سوى رعود تتقاصف تنشقُّ لها السماء وتُنذِرُها بكوارثها، فآثرت عدم الظهور والخروج.  


فقال له العجوز :

ما دخلي انا بالسماء والغيوم ...

ألَمْ تُخْبِرها أنَّي تعلَّقت بها ؟

وإنِّي أنتظرها كل يوم ...

أجابه ألجِسْر

نعم  أبلغتُها ...

ردَّ العجوز :

وماذا قالت لك ...


أجابه ألجِسْر ..

دعني أقِصُّ عليك قِصَّة حوريَّة النهر ...

صمت الرجل العجوز وسكنت نفسه، وبالرغم أنَّه يُرافِق شروق الشمس كل يوم في ذهابه للجِسْر، إلَّا  أنَّ  فجر الصباح كان مُختلفاً عن كل ما سبقه.  


لأنَّ  نُسيمات الهواء تحمل آمالاً له ...

وأشعَّة الشمس تنقل دفئاً  لقلبه ...

وعلى غير عادة المارَّة فوق الجِسْر  ...

فإنَّ البسمة كانت تعلو وجوههم ...

والسعادة تغمر قلوبهم ...


أمَّا الجِسْر فقد كان على غير عادته المعهودة ...

لم يكن كئيباً

لم ينتظر العجوز لكي يرمي عليه سلام الصباح بل بادره القول :

هل أنت على إستعداد للاستماع إلى قِصِّة حوريَّة النهر ؟

أجابه العجوز :

نعم وكلّني شوق ورغبة لسماع ذلك  ...

قال له ...

إنَّها مثلي تعرف المارَّة الذين ساروا على هذا الجِسْر ...

إنَّها مثلي أصابتها الخيبة  تلو الخيبة طوال هذه السنين ...

إنَّها  مثلي تعرف قِصص المارَّة سواء كانوا رجالاً أو نساءً صِغَاراً  أم كباراً ...

حَزِنت  لرفيقها وحبيبها عندما علِق في شباك الصيادين وبقيت طوال حياتها تبكيه وتُرثيه ...

أخلصَّت لِذكراه ولم تتخِّذ، صديقاً أو عشيقاً ...

إهتمَّت بالزهور والرياحين والأشجار التي تنمو على ضفاف النهر ..

ساعدت الطيور التي إتَّخذت  من الأشجار أعشاشاً...

صادقت الحيوانات الأليفة لإخلاصها ...


قاطعه العجوز بسؤال اعتراضي  ...

ألَم يكن لديها أصدقاء من المارَّة ...

أجابه الجِسْر  ...

كانت حوريَّة النهر تشهد على خِيانات المارَّة مِن بني البشر ...

كانت تشمئزُ من زيفهم ...

وكانت تتجنَّب سماع  أكاذيبهم ...

كانت تُذهلها ألاعيبهم ...

حاول بعض المارَّة من الرجال أن يخطِبوا ودِّها ...

كانت تصدَّهم ...

وتمقُت تملَّقهم  ...

وكانت ترفض محاولاتهم لأنَّها أدرى بقصصهم ورواياتهم ...


قال له العجوز ...

وما دخلي أنا بكل هذه الأخبار، هل أنا في عِداد هؤلاء ؟.  

أجابه الجِسْر  ...

أنت لست في عِدادهم لأنَّها تعرف أخبارك وأسرارك كلها

وإنَّها تُحاول إقناع نفسها بأنَّك من غير طينة المارَّة.  

ولكن هناك أمرٌ وحيد تجهله عنك حوريَّة النهر وستتحقَّق منه بنفسها، إن أرادت أن تلتقي بك.  


أجابه :

ما هو ؟؟

فأجابه الجِسْر:

غداً أُخبرُك وأُعلمك ...


وما إن غادر الجِسْر ذلك الصباح حتى بدأت الشكوك تجتاح الرجل العجوز وتهزُّ  كِيانه ..

الأسئلة بدأت  تتدحرج عليه كالصخور من عالٍّ

يسأل نفسه تارةً ...

ويُجيبها  أطوراً  أُخرى ...

خاف أن ينعته المارَّة بالجنون ...


سأل عقله

هل يُحِّب حوريَّة النهر ؟.  

أجاب العقل  بالإيجاب ...

وما أن سأل قلبه هل يُحِّب حوريَّة النهر ...

حتى بدأ قلبه يتخبَّط داخل صدره تخبٌّطاً  عشوائياً طالباً الخروج والهروب إلى أحضان حوريَّة النهر ...


أمَّا السؤال الذي حيَّره ونال منه مقتلاً ؟

فهو :

ما هو الشيئ الذي لا تعرفه حوريَّة النهر عنه ؟.  

هنا تداخلت شكوكه ومخاوِفه وإنعدام الثقة بنفسه والكون المحيط به

أصبح مُقتنعاً ... 

أنَّ هذا النهار سيكون الأطول في العام .. .

وأنَّ الشمس لن تغيب ...

وأنَّ الليل لن يسدُل ستائره ...

وأنَّ القمر لن يُهدي دُروب العشَّاق  ...

وإنَّ الفجر لن يبزُّغ وليس بقريب ...

كل ذلك حتى لا يلتقي بحوريَّة النهر ...


وصل إلى قناعة مفادها أنَّ مؤامرة كونيَّة  تُحاك ضدَّه وأنَّ شيئاً ما دُبِّر في ليل، كل ذلك حتى لا يلتقي بحبيبة العمر، حوريَّة النهر !  


أمَّا هناك في الجِسْر ...

كانت حوريَّة النهر تقرأ أفكار ذلك الرجل البشري ...

تبتسم  ...

وتفرح ...

وتشهق بالبكاء حين يعزُّ البكاء ...

ترتفع معنوياتها كلَّما كانت تتخبَّط أفكار ذلك الرجل البشري الذي عشِقّها وهام بها وأحبَّها حتى الجنون ...


أمَّا الجِسْر ...

فقد كان الشاهد والشهيد   ...

على العوارض والمشاعر والهيجان العاطفي الذي إجتاح وسيطر وإحتلَّ قلب حوريَّة النهر صديقته القديمة ...

وكان عالماً بمشاعر صديقه البشري الجديد ...

أيقن الجِسْر أنَّ وراء أكمة هذا الحُّب العنيف والمجنون أكمة ...

توجَّس وتخوَّف من هذه العلاقة وتغيَّرت معالمه ...

مِن قُبول لهذه العلاقة ...

إلى رفضها بالمُطلق !   


قالت له حوريَّة النهر

ما بالك ؟

أراك فرِحاً  وحزيناً في آن !  

أجابها :

قبل أن يأتي ذلك الرجل البشري كنت لا تكترثين ولا تهتمين بالمارة ...

أراك يا حوريَّة النهر قد تغيرتِ ...

أُريد أن أسألك ِ ...


هل تُحبِّين ذلك الرجل البشري ...

إنِّني أعرفك ِتمام المعرفة حتى أيقنت أنَّك تُحبِّين هذا الرجل، وإنَّ وراء أكمِّة هذا الحُّب العنيف الذي تٓكُّنيه لهذا الرجل البشري  أكمِّات وأكمِّات ...


أعرف أنَّه لا توجد لديكِ أيَّة  أشياءٍ تجهلينها تجاه هذا الرجل البشرِي ...

وأنَّك قرأتِ أفكاره وعايشتِ عواطفه وأدركتِ مقاصده ...


إنَّه يُحِبك حباً  جماً ...

إنَّه على وشك أن يخسّر حياته أو يعيش مجنوناً  تائهاً إذا لم يلتقِ  بك ...


وأضاف الجِسْر  ...

لكن توجد لديكِ مسألة واحدة  تجهلينها أو تتجاهلينها عمداً ... 

أجابته حوريَّة النهر :

وما هي المسألة التي أجهلُها أو أتجاهلُها ...

أجابها :

إنَّك الآن تغرُبين وجهك عني لتيمِّميه تِجاه صديقك الرجل البشرِي الجديد وتوليه محبَّتك  واهتمامك ...

تابع الجِسْر حديثه بحسرة :

أغفلتِ  سنوات عمرنا وصداقتنا ...

قاطعت حوريَّة النهر الجِسْر تسأله :

هل دبَّت الغيرة في كيانك أيُّها الجِسْر ؟.   


أجابها الجِسْر

كلا لم تدِبُّ غيرتي لكنِّي أتوجَّس خوفاً  من هذه العلاقة ...

وأُصْدِّقُك القول ...

صديقك البشري  يُحِبُك ويعشقك ...

وعليك  أنت أن  تُصدِّقيه القول  ...

وسألها

هل تُحبِّين  هذا الرجل البشري ؟.   

وبقي يسألها وَيَلِحُّّ  عليها بالسؤال ... 

كانت تمتنع بالإجابة حيناً  وتُؤخِرها أحياناً أُخرى !  


استغرب صمتها الذي  تعتمده واستعجل تحديد علاقتها مع ذلك الرجل البشري إلى أن قالت له والحسرة تأكلها  والدموع تغلي في مُقلتيها، والألم  يعصِّر نبضات قلبها


إنَّه العشق الممنوع الذي يؤخرني ...

إنَّ الحب المستحيل الذي يمنعني ...

إنَّه  الجنون  الذي يؤرِّقني ...

إنَّه الحب الذي يُحرجني ...

 

مراكبي تاهت بحبه ...

وأشرعتي مزَّقتها رياح الشوق إليه ...  

أستيقظ كل صباح منذ أن عرفته ...

أرتشف جمال وجوده  في خيالي ...

بكل شوق وحنين ...

ألهثُ وراء كل لحظة  جميلة  يمرُّ فيها فوق الجِسْر  ...  

لحظاتي السعيدة تهرب مني  نحو الغروب عندما يغيب عني ...

إنَّه غروب  ذاكرتي ...

إنَّه شروق  واقعي ...

إنَّه نهاري الممتلئ بسحابة سوداء ...

وما بين الغروب والشروق ...

أشتاقُ  إليه ...

أشتاقُ إلى ...

عِشقي الممنوع ...

وحُبِّي  المستحيل ...


هذه هي الأكمات والجبال والحواجز التي أتجاهلها ...

ليتني كُنت أجهلها ..،

والآن ...

بماذا تنصحُني يا صديقي الجِسْر ...


أنا الحوريَّة التي أحبَّت  ...

وَيَا ليتني لم أُحِّبُ  ...


في المقلب الآخر ...

وبينما العجوز  في ضياع تام  ...

لم ينم طوال الليل  ...

ولم يُصدِّق أنَّ الليل قد انجلى ...

وأنَّ الفجر قد بزغ ْ ...

فأقبل مُسْرعاً  مهرولاً نحو  الجِسْر ...

بعكس نهار أمس ...

ضحِك له الصباح ...

وزقزقت له العصافير ...

شعر برائحة عطِرة تحملها نُسيمات الصباح ...

وكلَّما اقترب  من الجِسْر  ...

عبِق الجو بالروائح الزكيَّة ...

وعلت تغريدات الطيور ...

ولكنَّه استغرب عدم وجود المارَّة على الجِسْر كما إعتاد أن يلتقي بهم كل يوم ..

أحسَّ بأمر غريب لم يعهده من قبل ...

كُلَّمَا إقترب من الجِسْر  ...

خفُتت الأصوات وتلاشت حتى انعدمت ...

وما إن وصل إلى الجِسْر  ...

شعر بأنَّ ساعة الزمن قد توقَّفت ...

إعتاد أن ينهره الجِسْر  ويزجره  ويأمره بالرحيل إذا كانت حوريَّة النهر تُمارس طقوسها ...

إلَّا  هذه المرَّة ...

رأى حوريَّة النهر تنظْر إليه ...

تبتسم له ...

تمدُّ يدها الأُولى نحوه ...

وبالثانية تُداعِب خصلات من شعرها ...

ركض جاثماً …  

يُقبِّل يدها بكلتا يديه ...

نظر إليها عالياً وكأنَّها الشمس  في قرص السماء ...

جذبته إليها ...

وعيناها تذْرِف دموعاً من لؤلؤ ...

وثغرها ينفتح على أحجارٍ من ألماس ...


قالت له

لماذا تأخَّرت كل هذه السنين والأزمنة ...

انتظرتك يا حبيبي حتى تقوَّص ظهري ...

وزاد همّي ...

وفقُد أملي ...

فرفع كفيّه ليحتضن البدر بكلتا يديه ...

وقال لها

ها أنا رهْنُ إشارتك ...

 

نظر إليهما  الجِسْر ...

فقال لهما :

منعتُ  المارَّة من السير فوق الجِسْر  ...

أمرت الطيور بالابتعاد حتى تختليان وتبوحا  بمكنونات الصدور وقد حصل اللقاء كما تصوَّرت وتخيَّلت ...


والآن جاء دوري ...

أنتَ  يا صديقي من عالم ٍ آخر ...

وأنتِ يا صديقتي من عالمٍ مُختلف ...

أنتَ  يا صديقي من عالم  التراب ... 

وأنتِ يا صديقتي من عالم المياه ...

أنتَ  يا صديقي من عالم المِلَّل والنِّحَل والديانات وما أكثرها ...

وأنتِ  يا صديقتي من عالم الأساطير والخيال، وما أجملها ...

أنتَ  يا صديقي من عالم الأحزاب والأرباب والملوك والامراء والأزلام  ...

أنتِ يا صديقتي من عالم  الرِبُّ  الواحد الْقَهَّار الجبّار ...


لن أُكثر ...

ولن أُزيد ...

لن تلتقيان ...

ولن تجتمعان ...

هذا قدركما ونصيبكما ...


ولكن ...

حتى أجعل حُبَّكما أبدياً سرمدِّيا  أُسطُورياً...

تحكي عنه الأجيال ...

ويتغنّى به العشَّاق والخِلَّان ...

سأُهديكما هديَّة لقائكما وفرحكما وحبَّكما وعِشقكما ...


هذه الهديَّة ...

إنَّها نافذة السبع  بُحور ...

إنَّها ...

إنَّها ...


الفصل الثالث والأخير.



بعد سماعه كلام الجِسْر ...

سقط جاثماً باكياً حزيناً مهموماً ...

أين منه والفراق ...

الموت أصبح مرامه وهيامه ومُبتغاه  ...

القبر أدنى إليه مِن فِراق حبيبة العمر .... حوريَّة النهر


وقبل أن يترك ألجِسْر ...

انتابه الذهول والهلع والخوف والإحباط ...

وأحسَّ بهول الخسارة وهو يودِّع حوريَّة النهر ... 

اكتفى وبكل قناعة وإيمان ورجولة ...

أنَّ القدر هو نصيبه ...

وقد إعتاد على مظالم القدر ...

واجتاحه شعور غريب وكأنَّه برداً وسلاماً ...

أنَّ حوريّة النهر تُبادله ذات الشعور ... 

وأنَّه يحمل في يدِه هديَّة من صديقه الجِسْر لا يدري ما قيمتها ...


أمَّا الحوريَّة وهي تودِّع حبيبها وجفناها تُطبقان  كستارة إيذاناً بانتهاء قصة حُب أُسطوريَّة ...

قالت له :

إلى اللقاء ...

يا حبيب العُمر ...


أجابها والغصِّة تقتله

آن الرحيل ...

آن الرحيل ...

العيش من دونك في هذه البلاد، جَهَنَّم وعذاب ...


قالت له ...

لا تتركني ...

لا تتركني ... وحيدة

استغرب  وتعجَّب الرجل العجوز  من قولها، وهو يلِّوح مُغادراً ...

استحسن الجِسْر  فروسيَّة الرجل البشري وشهامته...

واحترم رِفعة شأنه وتصرُّفه النبيل وهو يقبل هذه النهاية الحزينة والمؤلمة ...


وبِطلِّب من حوريَّة النهر وهي تشهق بالبكاء ...

أمر الجِسْر ...

قطعان الغزلان والبط والأرانب والطيور والأحصنة الوقوف صفاً واحداً  لوداع الرجل البشري الشريف ...


كذلك طلب الجِسْر ...

من أغصان  الأشجار أن تنحني إحتراماً  لصديقة البشري ...

ومن قُضبان القصب أن تصدر ألحاناً حزينة ...

ومن النهر أن ينفخ غِناءً  كنائسياً ...


صعقّه ما  شاهدَ ...

وبهره  ما رأت عيناه من التكريم  والتبجيل ...


قفِل عائداً إلى منزله مطأطأ الرأس، يتكئُ على عِكاز من خشب الأبنوس أهدته إليه الحوريَّة مُطرَّزاً  ومُرصَّعاً بأجوَد الأحجار الكريمة ...


لم يطق العيش في تلك البلاد ...

قرَّر العودة إلى موطنه ... في مشرق الأرض


فركِب البحور السبعة، قاصداً بلاد أهله ...

تاركاً  حبيبة عمره خلف هذه  البحور ...


ذاق العذاب المّر  وقٓبِل الهوان وعاش الحرمان ...

وكانت نوبات حُبِّه للحوريَّة تقضُّ مضجعه ...

بدا هزيلاً مكموداً مهموماً  حزيناً  ...


فاستسلم لنوم عميق لم يعهده منذ سنوات ...

ثمَّ ما لَبِث أن صحا على صوت الجِسْر  ...


قُمْ  إلى هديَّتي وافتحها ...

قُمْ الى هديَّتي وافتحها ...


هبَّ كالمجنون مُتسائلاً عن الصوت ومصدره !    

إنَّه  حِلْم مُزعج ...


أقنع نفسه بأنَّه  يهذي في نومه ...

وعاد إلى فراشه لينام ...

ولكنَّه نهض مذعوراً من سريره على صوت الجِسْر يُناديه ...


قُمْ إلى هديتي ...

قُمْ إلى هديتي ...


قام مُسرِعاً وبدأ يبحَث عن هدية الجِسْر ...

وما أن وجدها حتى نفخ الغُبار عنها ومزَّق غِلافها ...


وإذ بالهدية عبارة عن نافذة ...

بدت النافذة يُحيطُها إطار من الذهب الخالص مُرصَّع بأثمَن الأحجار الكريمة كالزمُرُّد والياقوت والعقيق والفيروز والتوباز واللازورد والزبرجد واللؤلؤ والأُلماس ...


كانت النافذة مُقفلَة بإحكام بواسطة مِفتاحٍ  قديم من الفضَّة على شكل حوريَّة ...


وما إن فتح شِبَّاك النافذة  حتى هبَّت رِيَاح عاتية شديدَة، ثمَّ  خَفُتت، وأحسَّ  وسمع  صوت الريح يحمِل الحنين والنسيم الرقيق ...


بسط ناظريه من خلال النافذة ...

رأى ما لم يرَه مخلوق ...

شاهد ما لم يُشاهدْه إنسان ...

أمره الجِسْر بأن يفتح النافذة على مصراعيها ويبسط ناظريه ...


وعندما فعل ما طُلب منه

حتى شعر بأن بساطاً  يحمله ويطير به فوق بحور وجبال ووديان ...


قطع البحور السبعَة  بلمح البصر...

وكأنَّه على بساط الريح ...


مرَّ فوق الوديان والبرارِي والبحار ...

وما إن وصل فوق الجِسْر في المقلب الآخر من  الأرض … 

حتى لمح حوريَّة النهر تُمارس طقوسها اليوميَّة ...


نظرَّت إليه  والابتسامة  تعلو ثغرها ...

أوقفَّت  طقوسها ونادت


يا حبيب العُمر ...

كم تمنيت  ورجوَّت ودعوَت أن أراكَ  ثانية ...

وأنتَ أبعدُ من السبعة بُحور ...

وأجابها  ...

وكٓمْ تمنيت أنا أن أراكِ ...

بيني وبينك سبعة  بُحور ...

أن يكون لي نافذة ...


حتى أراكِ ...


وأنتِ  تبتسمين  ...

إيذاناً  للشمس بالشروق ...


وأنتِ تغمضين  جِفنيكِ ...

 أمراً ... 

للشمس بالمغيب ... 


وكان لقاء الأحبَّة كما أراده الجِسْر ...

وأشرقت الشمس إيذاناً بيوم جديد

وغداً  يومٌ أخر .



فيصل المصري

أُورلاندوا / فلوريدا 

إنتهَّت قِصَّة الجِسْر وحوريِّة النهر ...


هناك تعليق واحد:

Blogger Template By: Bloggertheme9