يتم التشغيل بواسطة Blogger.

الخميس، 25 أغسطس 2016

قصة كراون دايسي، وكريستل.

نشر من قبل Faissal El Masri  |  in دراسة  1:11 ص

 قصة كراون دايسي، وكريستل.  

 إن ّٓ قصة ( كراون دايسي )
وكريستل، هي من واقع الخيال، وليست أسطورة، كشقيقتها ( إمرأة الوادي المُقَدَّس ) لانها تُقارب الحقيقة وتُصلح ان تكون سيرة ذاتية للعديد من الْقُرْاء. 

كراون دايسي، هي زهرة برّية تنمو في جبال، وهضاب، وسهول لبنان، ويُطلق عليها باللغة العربية، أُقحوان إكليلي. 

أما ( كريستل ) فهو إسم، ألغنج والدلال او ( ألدّلع ) لبطلة هذه الرواية، التي بدأت قصتها في احدى جامعات لبنان. 

واسم الدّلع ( كريستل ) مُشتق من حجرة الكريستال المشهور بصناعتها معمل ( شواروفسكي ) العالمي.



المقدمة : 

Crown Daisy  ................
الزهرة البرّية، ( أقحوان إكليلي )
وقصتها مع الطالبة الجامعية،          ( كريستل )  
و ...
هو  .....


احداث هذه القصة حدثت في حَرَّم احدى جامعات لبنان، في اواسط ستينيات القرن الماضي، حيث كانت أروقة وقاعات احدى الكليات مسرحا ً
ومكانا ً لهذه الرواية. 

كانت الجامعات اللبنانية، في ذلك الوقت  من الزمن أرضا ً وحقلا ً 
خصبة للأفكار التحرّرية، في عالم عربي مُدلهّم، ومُكْفهّر، ومُدجّج بعقلية حُكاّم تعود الى أزمنة تخّلف، وتقهقُر فكري، ومعنوي. 

كانت عقلية شباب ذلك الزمن، مُبرمجّة
الى تطّلعات مستقبلية زاخرة بالاحلام
وزاهية بطُموحات تصّل الى سقف السماء، بعد ان ظنّوا واهمين ان الاستقلال من رقبّٓة الاستعمار الفرنسي هو طريق الخلاص، والبدء بالسير في درب تكافؤ الفرص، وتطبيق مبدأ سيادة القانون.  

من بين شباب وشابات الجامعة، إلتقى شاب بإحدى الشابات :

هو، يرجع في أصله وفصله، الى عائلة معروفة بين الأهل، وقد جار الزمن على جد ّ هذه العائلة، بأن رزح تحت وطأة نكبة الحرير، والمادة الجديدة النايلون، حيث تمّ إغراق الاسواق العالمية، بالنايلون، وإغلاق معامل الحرير في طول البلاد وعرضها، فبيعت الاراضي، وحُجزت الاملاك، تسديدا ً للديون. 

أما هي، فإنها تنحدّر من أُسرة ثريّة
يرافقها ويُصاحبها نُفوذ واسع، ونُبل ٌ في التعاطي، وعفو ٌ عند المقدرة. 

كانت هي، إن دخلّت الجامعة، لا يُدرك اي شاب او شابة من رفاقها، مدى ألثراء الذي تتمّتع به، ووفرة النعيم الذي تعيش فيه، لان تواضعها ينسحب الى ملبسها، ودماثة خُلقها، وكانت إن خرجت تسير سيرا ً الى محطة توقف حافلة الركاب، وتختفي. 


تشابكت، وتقاطعت النظّرات ما بين هذا الشاب، وتلك الفتاة، فكان يُلفتها 
جدّيته، وإجتهاده، وإنكبابه على الدرس والمطالعة في مكتبة الجامعة. 

أما هو، فقد أذهله إنكبابها على تدوير زوايا الخلاف في ما بين زملاء الصف، فإن إختلفوا على الجلوس في الصف الأمامي كانت تُعطي مكانها، فينفّض النزاع خجلا ً منها. 


وذات يوم ٍ، لم تاتِ الى الجامعة كعادتها، وتكرَّر الغياب لأكثر من أسبوع، إفتقدها الطلاب والأساتذة، حتى أن ّ احد الأساتذة، سأل،  هل يعلم احدكم عن سبب غياب زميلتكم ؟

ساد الوجوم، والصمت، قاعة المحاضرات، وقال المُحاضر، عجيب أمركم، تحلمون ببناء شركات  في مخيلاتكم، وتتراكضون نحو سراب المستقبل، ولا تفكرون حتى برفاق الدرب الطويل، ولا تعلمون ولا تعرفون من أنتم. 

إنتهت المحاضرة، وتدافع الطلاب للخروج، إلا هو ... بقي على كرسيه يُفكر بملاحظة المُحاضر، وبدأت الأفكار تأخذه، كيف السبيل للوصول الى عنوان سكنها، او حتى رقم هاتفها. 

وبينما هو شارد الفكر، إذا سمع صوت احد زملائه يناديه قائلا :

في الباب هناك شخص يسأل عنك. 

نظر الى هذا الشخص، وإستغرب انه لا يعرفه،  

تقدم الشاب اليه وقال له، انا شقيق زميلتك، وهي مريضة طريحة الفراش وهي ترجو منك ان ترسل لها المحاضرات التي أُلقيت في غيابها، وقالت لي، اذا سألك لماذا انا، أجبه فورا ً باني أعرف انك من أنشط وأذكى طلاب الدورة. 

بعد ايام، تعافت وعادت  زميلته الى الجامعة، وكانت ضعيفة، مُنهكة شاحبة الوجه، ومُتعبّة. 

تقدمت منه وشكرته على المحاضرات،  وسألته ان كان لديه وقت لانها عجزت عن فهم بعض  ما جاء فيها.  

وكعادته، دخل معها مكتبة الجامعة،  وسألها، لماذا أتيت ؟  يبدو انك ما زلت مريضة، وعرض عليها ان يستمر في إرسال المحاضرات كل يوم. 

ومن فرط شفقته الممزوجة بالاهتمام على صحتها، عرض عليها ان يزورها طبيب عائلته القادم لتَوه من اميركا، من دون  أجر. 

إستغربت هذا الاهتمام، الممزوج بعاطفة قل ّٓ نظيرها، وأدركت في تلك اللحظة انه لا يعرف مدى الغنى والترف الذين تنعم فيهما. 

أبدت جزيل شكرها، وقالت له، قد أستعين بك في حال لم تتحّسن ظروفي الصحية. 

في تلك اللحظة، لمعت في مخيلتها ان تُبقي هذا الصديق الجديد، في جهله المُطَبّق لوضعها المادي، وشعرت ان هذا الاهتمام بشخصها،  يُثير إعجابها، بالاضافة الى إدراكها انه مُتمّكن في الدراسة. 

في المكتبة، 
وضعت أمامها احد الكتب، وكانت عندما تُشير، وتُقلّب صفحاته تقوم بسحب زهرة من كل صفحة، تُرِيد إستفسارا ً او توضيحا ً، وتكرَّر ذلك في الكتاب الثاني، والثالث، وكانت تنزع الزهور ثم تُعيدها الى ذات الصفحة.

وبعد ان شرح، وفسّر لها، تبين له انها أجهدت نفسها كثيرا ً، وقال لها يكفي اليوم، وغدا ً سأُكمل لك إن إحتجت تفسيرا ً.

وعندما همّٓت بالانصراف، إستمهلها، وسألها، هل تستعملين هذا النوع من الزهور وكأنه ( ماركر، Marker ). 

أجابت  ب نعم. 

وقالت، اني أُحِب هذه الزهرة، انها زهرة برّية، تعشق الشمس، وتُحب الربيع، ومُتمردة، لا تهاب الشوك من حولها، فيها اللون الأصفر هو قلبها،
وفيها اللون الأبيض علامة نقاؤها، وتقول الأساطير انها كانت تُستعمل إكليلا ً وتأجا ً لأجمل النساء. 

وأضافت، انت من الساحل، لا تعرف هذه الزهرة، وان اسمها :

زهرة أُقحوان إكليلي.
 وانا أفضل اسمها باللغة الانكليزية كراون دايسي. 

أجابها فورا ً :

للتوضيح، انا موطني الجبل، وأعرف هذه الزهرة تماما ً ولكن لم أُعرّها يوما 
اي إهتمام، ولكن أعدُّك من الان وصاعدا ً كُلَّمَا أنظر اليها، سأتذكرُك. 

علّت وجهها ابتسامة، ناعمة ...
 وَرُسمت خيوطا ًحمراء على مُحَيّٓاها خجلا ً...
 
فبادرها قائلا :

لقد أشرقت شمس ُ وجهك ...

وتواعدا الى غد ٍ أخر ...

إنتهى الفصل الاول من كراون دايسي. 
 
الفصل الثاني :

من قصة :
كراون دايسي، و كريستل. 


وكعادتها بان تاتِي باكرا ً الى الجامعة، وتجلس في الصف الأمامي، دخلت وبقيت تشيح بنظرها الى المقاعد الخلفية، علّها تراه. 

كانت تنظر الى ساعتها، بين لحظة وأخرى وتعيد وتكرَّر  النظر الى الوراء، الى ان دخل المُحاضر وبدأ الصف. 

أما هو، خلافا ً لما درج عليه، فانه تأخّر في الدخول الى قاعة المحاضرات، عمدا ً، لانه كان يرغب في استرقاق النظر اليها من المقاعد الخلفية، علّه يُشبع نظره، ألمُتهالك لرؤيتها. 

كان ينظر اليها، فإستدارت فجأة الى الخلف، وتصادم نظرها، بنظره فإبتسمت له، وأشار اليها بيده بسرعة فائقة، وكأنه نشّال ٌ مُحترف ْ.

ما إن إنتهت المحاضرة، وعلى غير عادتها، أسرعت بالخروج، وكان بإنتظارها، ضحكت كثيرا ً عندما قال لها، لا تتكّلي علي ّٓ في شرح هذه المحاضرة، لاني لم افهم شيئا ً منها، بل يمكنني ان أُعدّد المراّت التي نظرت ِ الى الوراء، وعدد المراّت التي وقع قلمك الى الارض. 

إرتاحت أساريرها، وإبتسمّت.
ولمّا سألته لماذا تأخر ..
ولماذا يبدو مُنهكا ً ؟

إجابها دون تردّد ...
 
كان ليلي طويلا ً ...

وكان أرقي مُتعبا ً ...

وكان قلقي عليك، مُنهكا ً ...

فرجّوت ُ القمر أن يغيب ...

وتضرعت للشمس ان تشرق ...

كل ُ ذلك  .. بسببك !! 

وسألها، هو :

كيف حالك انت ِ ...

قالت :

كان ليلي، قصيرا ً ...

لان النُعاس، غلبني ...

وإتكأت جفوني على بعضها ...

ونِمت قريرة العين. 

لم يكترث لانها إدعَت ذلك، بدليل انها طلبت منه الدخول الى كافيتيريا الجامعة، لان التعب بدأ يجتاحُها، ولا يُخَفِّف من وطأته، الا القهوة. 


في الكافيتيريا، وهي ترتشف القهوة، أخرجت من حقيبتها قلم باركر نصفه الأعلى ذهبا ً والنصف الثاني لونه أزرق، وقدمته هدية له. 

رفض إستلام الهدية، لانها غالية الثمن، وقال لها عليك ان تضعي المال الذي صرفتيه  لهذا القلم، على صحتك بدلا ً من ان تشتري قلما ً لن استعمله. 

طلب اليها، إعادة القلم وإسترجاع القيمة. 

إدراكا ً منها بصدقه وإهتمامه بصحتها، أخذت القلم وأعادته الى حقيبتها، وأردفت تقول اني لم أشتره بل هو لوالدي، تركه على طاولته بعد ان إستعمله، ولكنه يبدو جديدا ً.


كسابقة النوم قريرة العين، طوال الليل لم يُعِّر إدعاء مقوّلة القلم انه لوالدها، اي إهتمام. 

كان ذكاؤها حادا ً لانها تركته يتخبّط بجهله عن مدى الثراء الذي تتمتع به، 
وهذا بحّد ذاته سببا ً كافيا ً للهيام به. 

عرض عليها ان يُرافقها الى محطة توقف الحافلة، شكرته قائلة ان والدها سيمّر عليها لأخذها الى المنزل.  

وإفترقا الى غد ٍ أخر ...

من قصة، ستطول. 


إنتهى الفصل الثاني. 

الفصل الثالث :

من قصة كراون دايسي، و كريستل. 

كان هذا اليوم، عاصفا ً ماطرا ً، وكانت الشوارع المحيطة بالجامعة تُزمجّر انهارا ً وزادت سرعة الرياح عن المألوف. 


لم يطّق ان يمُرّ هذا اليوم دون ان يراها، لان سُحُب الحب بدات تحوم في قلبه، والشوق اليها ما لبث ان تعلّق على أسوار عقله، فدلف الى قاعة المُحاضرات يائسا ً من طول الانتظار. 

دخّلت القاعة على عجَلة من أمرها، لم تجوّل نظرها كثيرا ً لانه كان على عتبة الباب مُطأطأ ً رأسه. 

طبطبّت على كتفه، 
وقالت :
ما بك ؟
أجابها،
 ما بك انت ؟
لماذا تأخرت ؟

قالت، أخذني وقت كبير حتى أصل من محطة الحافلة الى الجامعة، وأشعر الان بالبرد القارس، والمطر الغزير، بلّل ثيابي، والشوارع باتت جداولا ً ...

تركها تُكمل وصفها، وأشفق عليها، ومد َٓ يده  وكانه يُصافحها، علّه يعطيها دِفئا ً،  فَذُهِل عندما شعر بأن الدفء في يدها، وأطبق يده الثانية على يدها، وقامت هي الاخرى، بوضع يدها فوق يدّه، ونظر الى وجهها وقد غطّاه الخجّل. 

فقالت له ما بك ؟

قال، خِفت عليك ...

وقلقت لان موقف الحافلة  بعيد عن الجامعة. 

ثم أسقط  عمدا ً، قلما ً وإنحنى ليلتقطه، فإذ به يُصاب بالذُهول  ثانية  لان حذائها الكُحلي اللون، والمخملي النوع  لم يتلطّخ  بنقطة ماء واحدة. 

كذلك ألقى نظرة على ثيابها، فإنها كانت غير مبّللة بالمطر. 

عادت وسألته، 
ما بك ؟
لم يُجِب ْ  ....

ساد صمت رهيب، لم يقطّعه إلا خياله الذي أخذه ورماه في نعومة يديها، وطراوة ملمسه. 

 فضرب إخماسا ً بأسداس، كيف تأتي  من موقف الحافلة، ولم تتبلّل ؟

كيف تقول ان البرد أخذ منها، ويدها دافئة.

لحظات لمعت في مُخيلته، وكأنها سنوات.  

تألمّ  كثيرا، لانه وقع طريح سهم من حب قاتل، أطلقته إمرأة  يجهل من هي، ولكنه يعرفها. 

من امراة إحتّلت قلبه،
دون قتال. 

من امرأة  تشغُل حياته،
وهي ليست من هذه الحياة. 

توقفت هواجسه ومخاوفه، عندما، همست في أذنه، وقالت سأترك القاعة الان، لان الأرصاد الجوية أعلنت بالامس ان العاصفة ستصبح أشد ضراوّة  بعد ساعات، وانا مضطرة للعودة الى المنزل، وأتيت فقط لألتقي بك بالرغم من هذا الطقس الماطر. 

زاده الذهول، ذهولا ً ...

أعطّته يدها، وانحنى يُقبِّلها، بكفيه. 
وقالت، أخبرني لاحقا ً عن المحاضرة، إن شئت. 

تركها تُهروّل مسرعة، الا انه تسلّل خلسة من قاعة المحاضرات دون ان تراه.

سار مُسرعا ً ووقف امام نافذة الدرج التي تُشرف على مدخل الجامعة وعلى الطريق العام. 

لم يتمالك ذلك المشهد الذي رَآه بأُم العين. 

سيارة أميركية فارهة المنظر، متوقّفة على باب الجامعة، سائقها يلبس بدلة كحلية اللون، ويعتمر على رأسه قُبّعة وكانه، جنرال من جنرالات الوغى، يُسرع في فتح باب السيارة الخلفي لتدخل هي التي كانت معه منذ لحظات.

أقفل السائق الباب، وتراجع هو الى الوراء، ولمحها من ثاقب نظره، وهي تُسرح نظرها، للأعلى ومن حولها، فإطمأنت،  انه لم يشاهدها أحد. 


وكان ذهوله هذه المرّة، أشد مرارة من وقع الصاعقة عليه.

لم يدخل قاعة المُحاضرات، وإنهارت عليه ذكرياته معها :

ظنّ انها أقل ّ منه يُسْرًا. 

ظنّ انها أكثر ُ منه صُدِّقا ً.

ظنّ انها تُحبّه. 

وعادت ظُنونه، وشُكوكّه بانه لا بد من سبب لهذا الكذب المُتمادي، والتكّتم الشديد عن وضعها المادي. 

عاد الى منزل عائلته، والسماء تقصف  اكوابا ً من المطر، تنهمر عليه دون هوادة. 

لم تبرح من مُخيلته ....  


انتهى الفصل الثالث

  الفصل الرابع :

من قصة كراون دايسي، وكريستل


وفي مساء ذلك النهار الصاخب في عاطفته، والعاصف بأجوائه، تلقّى إتصالا ً هاتفيا ً منها. 

بادرته قائلة لن اسألك عن المحاضرة، لانها لا تهمّني بقدر قلقي عليك كيف وصلت الى منزلك ؟؟

 وإنهمرّت عليه بالاستفسارات، وهل اصابك مكروه، وهل .. وهل .. الى ان توقفت عن طرح الأسئلة. 

أجابها فورا ً ...

انا بدوري قلقت عليك، لان غزارة المطر لحظة مغادرتك الجامعة كانت كافية ان تُغرقك. 

إجابته، تبللّت كثيرا ً ...

وتأخرت الحافلة  ...

وشعرت بالبرد الشديد ...

أجابها ساخرا ً... 

كم تمنيت لو كنت معك ...

وقالت، 

لماذا ؟؟

لاني كنت :

سأُخبئك، تحت معطفي. 

وأُوقيك، من المطر. 

وأدفع عنك البرد. 

قالت له، 

أتمنى لو تهّب عاصفة ثانية، حتى ننزل سويا ً تحت المطر، لأنعم بدفئك
ولأتمتع بحمايتك. 

قال لها، 

هل تمزحين،
او تسخرين، مني ؟ 

قالت له ابدا ً ...
وفيما لو طال أمَد العاصفة حتى الغد، سأطلب اليك ان تُرافقني تحت المطر الى محطة الحافلة. 

أجابها، والحُنق باديا ً من لهجته. 

وماذا ستفعلين بسائقك الخاص ؟

ولماذا تهزئين، مني ؟

ولماذا، 

ولماذا...

 وأنهى المكالمة، طالبا ً عدم الإتصال به مُجددّا ً ...

لم تتمالك،  من ان تنهار باكية ...

فنزلت دموعها مدرارا ً ....

وأجهشت بالبكاء حتى أحسّت والدتها بالأمر، فقدمّت اليها، مُستعلمة ً وقلقة ً عليها ...

أخبرت والدتها، بتفاصيل الموضوع، من كتمان، الى تنامي الحب بينها وبين ذلك الشاب.

وكيف انه احبها وهي تُخْفِي عنه مستواها المادي. 

قالت لها والدتها،
لن أطلب منك تفاصيل إضافية. 
 إنه يستحقك. 
وكفى بكاء ً.

دعيني أُصلح ذات البين، بينكما. 

وطلبت اليها ان تعطيها رقم هاتفه.

إنتهى الفصل الرابع.  


الفصل الخامس :

من قصة كراون دايسي، و كريستل. 


ومع تزايد، وإشتداد العاصفة، هبّت رياح قوية، وإنقطعت الكهرباء وعلّا في أرجاء المدينة، أصوات وكأنها عواء ذئاب جائعة، فتطاير الزجاج، إنهارت الأبنية القديمة، وأمتلأت الشوارع بمياه الأمطار. 

 أغراه، وأغواه هذا المنظر، فنزل الى الشارع بالرغم من معارضة اهله، وفي مُخيلته انها معه، وتحت معطفه. 

ولمّا أنهكه السير، وهو يُحاكي نفسه في خضّم هذه العاصفة الهوجاء، عاد ادراجه الى بيته وسبح في احلام حتى صباح اليوم التالي. 

أيقظه والده من سُباته العميق،
وقال، له :

 هناك سيدة تطلبك على الهاتف  وتريد ان تتكلم معك. 

وعلى الجانب الاخر من الهاتف، قالت هذه السيدة له :

انا والدة زميلتك بالجامعة. 
 
أطلب اليك أن تقبل إعتذار ابنتي عن الذي حصل بالامس، ولو انها بحالة صحية جيدة، كانت هي التي قامت بالاعتذار، كونها الان في المستشفى طريحة الفراش، لعارض صحي مفاجئ، على الغير. 
 
وليس عليَّ انا. 

تغيّرت لهجته، وقال كلاما ً إرتطم صدّاه أرجاء الغرفة،

 ما الذي حصل ؟

 وكيف ؟

وأين هي ؟

وبأي مُستشفى ؟

 وبأية  غرفة ....

أجابته، هدِّأ من روّعك ...
انها الان بخير ...

ولا أرى مانعا ً إن قمت بزيارتها ...

وأردفت قائلة :

الى اللقاء. 

في هذه اللحظة :

 إنقشعت الغيوم السوداء، من سماء عقله ...

وجفت الدماء السوداء ...

 من  جدران قلبه ...

وإنبسطت أساريره ...

ونسي عتّبه ...

وهاجت في وجدانه موجات من العطف والشفقة والحنان عليها ...

فتح نافذة غرفته، ورأى الشمس كعادتها تُشرق، وترسل أشعتها، وكأنها تضحك، وتبتسم له. 

هدأت العاصفة، وإنحسّرت. 

إنقلبت حياته وتبّدلت، رأسا ً على عقب. 
وشعر انه تقمّص من جيل الخيبة، الى جيل الأمل ..

فتراكمت، وتزاحمت الأفكار في مُخيلته ...

ماذا سيفعل ؟

كيف، ومتى يزورها ؟

ولكنه اصطدم بأمر شائك صعب المنال، والتحقيق. 

هدية زيارته لها في المستشفى. 

إنها تُحِّب، وتعشق زهرة،

 ( كراون دايسي ) 

إنه فصل الشتاء ...

وهي زهرة برية ربيعية. 

ماذا سيفعل ؟

إنتهى الفصل الخامس. 

الفصل السادس. 

من قصة كراون دايسي، وكريستل. 

 



وفي تلك الليلة الليلاء، 
وبعد ان أخذت رقم هاتفه من أبنتها،
سألتها :

الان، وحالا ً، وفورا ً ما قصة هذا الشاب ؟

ولماذا الكذب ؟

ولماذا إخفاء، من انت ؟

ولماذا ... ولماذا ... وكيف. 

أسئلة ... أُم :

 أجهدت نفسها لتجعل من ابنتها صديقة لها، حتى ترجع اليها في أحلك الأوقات. 

وكانت إبنتها، خير صديق، وخير جليس لها. 

إذن ما الحكاية ؟

قالت لوالدتها :

انت تعلمين لماذا تركت الجامعة الاولى، وإلتحقت بهذه. 

انت تُدركين كيف كان شباب الجامعة يتمّلقون، ويتودّدون لي.

كل ذلك بسبب الثراء الذي انا فيه. 

ما زلت يا أُمي، تتذكرين نِفاق الشباب في تصرفاتهم الرعناء، في تسابقهم مع سائق سيارتي، لفتح الباب لي. 

وانت الوحيدة التي وقفت بجانبي حتى قَبِل والدي بان أتحّول الى جامعة أخرى، بالرغم من علو شأنها،
والثانية، أقّل منها.

كل هذا جعلني أشمئز من الجامعة، ومن طلابها وشبابها، فأحسست اني لا شئ، لولا ثراء، ومال ابي. 

قالت الأم :

 وما دخل كل هذا، بهذا الشاب ؟

أجابت والدتها :

منذ اليوم الاول لدخولي الجامعة، طلبت  من سائقي أن لا يُوصلني الى باب الجامعة، كما كان يفعل سابقا ً بل طلبت اليه ان يوقفني قرب محطة وقوف حافلة الركاب، وأمام أحد الحوانيت  الصغيرة، حيث إتفقت معه ان يسمح لسائقي بالوقوف لانتظاري لقاء ان أشتري كل يوم منه، حلوى  او ماء، وأُقدمها بدوري الى أُم وابنتها الصغيرة، دائماً يتوسلون، ويطلبون المساعدة من المارة امام باب الجامعة. 

بقي الحال على هذا المنوال، إلى يوم هبوب هذه العاصفة  الشريرة، عندما شاهدني وشاهد سائقي، حيث وقعت الكارثة، والمأزق الذي انا فيه. 

قالت الأم :

ما زلت لا أفهم ...

هل إرتكبت جريمة ؟

قالت، يا أُمي  :

هذا الشاب توطّدت علاقتي به، ونمى الاحترام،  والمودّة  بيننا بالرغم، اني فقيرة بنظره. 

أحبني أنا ..

أحب ّٓ .. صفاتي ..

أحب ّٓ .. أخلاقي ..

أحب ّٓ .. ثيابي البسيطة، غير الفاحشة الثمن ..

أحب ّٓ .. تعلُقي بالزهرة البرية، لميزتها المعنوية، وليس المادية ..

أحب ّٓ .. الأنا التي انا ..

تصّوري يا أُمي،

 لمّا حل ّ بي المرض وتغيّبت عن الجامعة، ماذا فعل ؟

عرض ان أزور عيادة طبيب عائلته، من دون ان أدفع ثمن الزيارة، لانه إعتقد اني أعيش في عِسر مالي، اي اني فقيرة. 

كان دوما ً يرسل لي مُلخّص المحاضرات.

 ويرفقها برسالة بخطه، يُعلمني بكل شاردة او واردة حصلت في غيابي. 

كانت رسائله لي ..

أهم من المحاضرات ...

 لانها ابقتني حاضرة،
وأعطتني البهجة، والسرور،  ولم يُعلمني قطّ بخبر أزعجني، حتى جعلني أظنّ ان الجامعة، وطلابها، وأساتذتها، وعميدها، إفتقدوني طالبين بالصوت العالى .....
 تعافي ... وعودي ...
نحن بشوق اليك. 

كانت رسائله لي :

دائما ً وأبدا ً تبدأ بحرف ( و )
كقوله :
وبينما ...
وعندما ...
ومتى ...
و، الخ. 

وقد سألته مرة واحدة :

لماذا تبدأ رسائلك لي بحرف ( الواو )

أجاب :

ل وٓصْلِ، ما إنقطّع ...

إن إنقطع ..

ولن ينقطّع ..

قلت له،  وكيف :

قال :

منذ اليوم الاول الذي تعّرفت عليك، عاهدت نفسي، ان تبقى أيامي وايامك موصولة الى الأبد ...

وهكذا، 
وهذا، أعني :

وٓصْلِ، ما إنقطّعْ ...
......
......

أجهشت، بالبكاء، 
وغابت، عن الوعي،
ونقلتها والدتها للمستشفى. 


إنتهى الفصل السادس.

الفَصل السابع :

من قصة كراون دايسي، و كريستل. 


بقي يفكر، ويفكر كيف الوصول الى كراون دايسي، انه الشتاء، والصقيع
وتراكم الثلوج فوق جبال قريته، يمنعه من التفتيش والتنقيب على هذه الزهرة حتى وإن كانت قد، ذبُلّت.  

لم يترك متجرا ً لبيع الزهور، والورود إلا وسأل عن هذه الزهرة. 

كان الباعة، يتعجّبون، ويقولون :

هذه الزهرة، برية لا تُباع لانها تنمو على حافة الطُرق، لا قيمة مادية لها، فضلا ً ان موسمها،  في الربيع. 

لم ييأس، 

دخل احد المتاجر،
يُباع  فيه كل شيئ يخّص المرأة. 

 وقال لإحدى البائعات :

إن زميلتي بالجامعة تُحِّب زهرة برية أسمها بالعربية، وبالإنكليزية، كذا، وكذا، 

أوّد أن اشتري لها هدية،  عليها رسم هذه الزهرة. 

 لم تفهم عليه البائعة، ولكنها رغبت في المساعدة، 

وقالت :

هذا رزمة اقلام ملونة، 

أُرسم لي هذه الزهرة،
سأساعدك. 

قام برسمها بدقة مُتناهية، بالأبيض والأصفر والغصن، الأخضر. 

قالت له مهلا ً ...

وأتّت بالعقود، والسناسل، وكل شيئ فيه صورة. كراون دايسي. 

أعجبته من كل القطع، قطعة واحدة، مرآة صغيرة، يُمكن وضعها في حقيبة نسائية. 

في وجهها الاول، 

مرآة تُعطي الصورة حجما ً أكبر. 

وفي الوجه الاخر، رسم ناتئ،  وبارز لهذه الزهرة بكل تفاصيلها. 

وبينما تهّم البائعة، بتغليف الهدية، سألها، إن كان لديها ورق هدايا عليه هذه الزهرة. 

لم تتمالك البائعة من الابتسام،
 وسألت غيرها من البائعات إن كان يوجد هذا النوع من الورق. 

وبعد طول غياب، وتفتيش، أتّت زميلتها  تحمل رزمة ً من هذا النوع، فإشتّد فرح البائعة اكثر منه. 

وقالت له ؛
كيف تريدني أن أقوم بترتيب الهدية. 

قال لها :

رسم الزهرة الذي قُمْت بتصويره، لك. 

أُريده مع المرآة ...
وبداخل العلبة. 

والباقي عليك ِ ...

قبل مغادرة المتجر، سألته البائعة :
لماذا إصرارك على هذه الزهرة ؟

أخبرها، 
جزء من قصة  كراون دايسي 
وكريستل.


لمّا وصل الى المستشفى، إستدّل الى غرفتها، كان الممّمر المؤدي الي جِناحها، يكتّظ بسلال من الورود، والزهور على شتّى الوانها، واجناسها، وأشكالها. 

إعترتّه الدهشة، وقارن هديته المتواضعة مع تلك الأرتال من السلال. 

خرج أخاها، مستقبلا ً ..
وهو  الذي كان ينقل المحاضرات لها ..

قام بمهمة التعريف، عنه مع الحشد الكبير الموجود في قاعة الضيوف، ومن ثم عرفّه على والدته. 

أخذته جانبا ً، وشكرته على الزيارة، وأدخلته مباشرة الى غرفتها، ووقف صامتا ً جامدا ً لا حِراك، وهو يُشاهدها في سرير صغير، غرقّت فيه، إلا وجهها الأصفر الباهت، الشاحب، ويدها الممدودة والمربوطة بأمصال دواء. 

وكأّن الاطنان من الأثقال، وُضعت على جفنيها، حاولت جاهدة ان تراه لم تكّد، فأغمضت على دمعتين، كحبتي اللؤلؤ في مهد أصدافها. 

سحبت يدها الاخرى من تحت الغطاء
بتمّهل وصعوبة، فما كان منه إلا ان أغلق يداه الاثنتان على يدها بإحكام ٍ


إغرورقت الدموع،
 وسالت ... ومن ثم قالت :

إن كنت تفهم  لغة دموعي،
فلا حاجة لي ان أتكلم. 

وإن كان قلبك كبيرا ً،
فإترك مجالا ً لقبول عُذري. 

قال لها :

إن دموعك أغلى، من حبّات اللؤلؤ ...
أمّا عُذرك، فهو من قبيل وٓصْلِ ... ما إنقطّع ...

تُبَسَّمت، 
وقال لوالدتها، وهو يُجاريها  ... بالابتسام :

يبدو ان الشمس في المستشفى، تأخرّت اليوم في الشروق !

وبعد ان إطمئن على صحتها، 
أخرج من جيبه الهدية ...
وقالت :

إفتحها انت ...

وبعد أن فتحها، قال لها :

أُنظري بالمرآة،
ستُشاهدين ... آلهة الجمال ؟

أُنظري الى الخلف،
زهرة الإكليل هذه التي ستكون دائما ً وأبدا ً تاجا ً فوق  رأسك ؟

لم تتمالك من البكاء، 
فتّدخلت والدتها، وقالت :

بُكَاء الحزن ... قبلنا به،
 أما بُكَاء الفرح ... فانه مرفوض. 

قالت :

انها أجمل هدية تلقيّتها طوال عمري، 
ولكن، سألته :

ما سبب وجود صورة زهرة كراون دايسي مع الهدية ..

أخبرها الحادثة، 

وقالت، ستبقى هذه الصورة، على مكتبي طوال عمري، بعد ان أضعها داخل إطار من الذهب الخالص  ...

الفصل التاسع :

من قصة كراون دايسي  وكريستل. 


وبقي يزورها في المستشفى طيلة بقائها الذي إستمر، سبعة ايام، حاملا ً اليها المحاضرات، وكان يُخبرها كعادته عن كل شاردة او واردة، حتى يُضفي الحبور والبهجة في نفسها. 

كان يراها ...

أجمل الجميلات حتى، في مرضها، وكانت نظراتها اليه كلما زارها، ترسم علامات الفرحة والسعادة. 

الى ان دخل عليها  يوما ً  وهي بادية الحزن، وتعلو الكآبة على وجهها، ووالدتها مُنزعجة، وهي ترجوها ان تهتّم بصحتها قبل كل شئ. 

فسألها، لماذا الوجوم، وكأن قناطير من الهموم تنهمر من السماء عليك ؟

قالت له الأم :

انها كئيبة منذ الصباح الباكر، لانها إنقطعت عن تقديم الحلوى والعصير لابنة المتّسولة التي تقف على باب الجامعة. 

ضحك، وإبتسم، 

وقالت له  بنبرة  حادة.

وانت ايضا ً، تهزأ مني،

 مثلك مثل أُمي :

قال لها مهلا ً مهلا ً ... 

منذ  اليوم الاول لغيابك،
وانا أقوم بذات المهمة ...

لم يكْد يُنهي حديثه حتى أغروّرقت  دموعها بالفرح، وهبّت والدتها وأعطتها منديلا ً وهي تقهقه من الضحك والبهجة تعّم ارجاء الغرفة، 

إياك، إياك ( والكريستال ) ان يتدحرج أرضا ً، لملميه، وأخفظيه في هذا المنديل. 

قالت له، وقد تُحِّولت الى انسانة تعّج بالسعادة، انت اليوم وكعادتك تجلب لي السعادة، وطلبت  اليه ان يمّد يده،
فقامت بوضعها على وجهها. 

 

كان يُلاحظ ان والدتها، تُوليه إهتماما ً
خاصا ً، وبدأت تخبره ان ابنتها كل شئ فيها مثل ( الكريستال ) دموعها
وقلبها ورقتها، وما عليك إلا ان تُحافظ على حبّات الكريستال كما افعل دائماً. 

لم يُعّلق كثيرا ً، ولكنه توجه بحديثه اليها، وسألها إن كانت مرتاحة. 

أجابت الوالدة، فورا ً بكلمة واحدة. 
بوجودك. 

ساد صمت رهيب عمره .... قرون. 


وفي يوم خروجها، قالت له :

أُحِب ُ ان أُبلغك اني لن أُغير عادتي وهي قدومي سيرا ً من محطة الحافلة
الى الجامعة. 

لن يكون معي، مظّلة حتى تقيني من المطر. 

قال لها :

ولماذا تتحّملين  هذه المشّقة، فالأمور اصبحت واضحة بيننا، فضلا ً عن ذلك ان الأرصاد الجوية، تُحِّذر من هبوط درجة البرودة، وانت ما زلت بحالة صحية غير مستقرة. 

إجابته :

إن ّ السير من محطة الحافلة الى الجامعة، كان هو الطريق الذي تعّرفت فيه عليك، سأستمر في سلوكه، من دون السائق وكما جرّت العادة.  

بالاضافة الى ذلك،
اذا كنت تتذّكر ليلة خلافنا، تمنّيت لو ترافقني الى محطة الحافلة إذا إستمرت العاصفة لاني احّب ان أسير معك تحت المطر. 

اليوم أُكرّر طلبي، وأقول لن يكون معي مظلة لاني أوّد ان أستظل تحت معطفَك، ومظلتك انت. 

أجابها :

ماذا تريدين ان افعل ؟

قالت له، الامور ستتغّير الان ...

أُريد ان نكون،  في قاعة المحاضرات، والمقصف، معا ً وسويا ً ...  لانها من اجمل لحظات العمر. 

أُريد ان ترافقني، من الدكان بقرب محطة الحافلة، وندخل سويا الى الجامعة. 

قال لها :

هذه أمور كنت أحلم بها، وقد تحقّقت الان، ولكن لي سؤال واحد ...

قالت :
ما هو ؟

والدتك تقول انت مثل .. حبّات ...

الكريستال ....

 ولكني انا اقّول ان أسمك 
سيكون من الان ( كريستل )  وسأترك لوالدتك دمعة واحدة من الاسم، وهي حرف ( الألف )

إبتسمت، وإشترطت :

أُقبل على شرطين :

لا احد،  بالكون يناديني بهذا الاسم.. 

إلا :
انت ...

وأنا أناديك :

مستر ( واو )

فليكن هذا سّرنا ...
أجاب :

قٓبِلْت ْ  ...  يا  ... كريستل ...

الفصل العاشر :

من قصة كراون دايسي، وكريستل


وبدأت الأيام السعيدة، تتدّحرج على كريستل وحبيبها، وتجرُف كل الهموم.  وتضفي البسمة، والفرحة. 

كانت كريستل تغرف من الحب الذي وفّره حبيبها، بنهّم دون إكتفاء. 

كانت تقول له، انا عطشى، وأكاد أموت من ألظمأ، فيهّب مسرعا ً لجلب الماء لها، فترفض بدلال، وتقول :

انا عطشى ل حُبّك، وحنانك، وإهتمامك. 

كانت تتصّل به يوميا ً، في الصباح الباكر، وقبل ان تخلد الى النوم، وتسأله نفس السؤال :

ماذا أكلت ..
ماذا شربت ..
ماذا لبست ..
ماذا فعلت ..
وماذا، وماذا  ؟؟؟


كانت إذا دعتّه الى العشاء، لا تقبل إلا أفخم المطاعم، وأغلاها سعرا ً  ..

كان إذا دعاها هو، الى العشاء، تتعّمد، وتدّعي انها مُشتاقة الى صحن من الفول او الحمّص ( صحن شعبي في لبنان، زهيد في سعره )

كانت إذا قدَّمت  له هدية، وغالبا ً ما تكون من الهدايا الفريدة، وباهظة الثمن، تشترط عليه ان تكون هديته لها بالمقابل، زهرة او وردة الى حين قدوم فصل الربيع. 

كانت تطلب اليه في فصل الربيع ان يعطيها يوميا ً باقة من أزهار  كراون دايسي، حتى تقوم بجمعها، على شكل تاج، او عقد، او إسورة، او تضعها في كتاب. 


كانت والدتها، تُلاحظ تعّلق كريستل بحبيبها، وتحاول جاهدة ان  تلقى من زوجها قبولا ً لهذا الواقع. 

كان الأب في خِصام شبه يومي مع كريستل، حتى تلاشت مقاومتها عندما سأل الأب حبيبها في تحّد ٍ صارخ، ما هو الأجر الشهري الذي تتوقعه فور تخرّجك  من الجامعة هذه السنة ؟؟ 


نهض حبيبها، وقال للأب :

إن اجري الشهري الذي سأناله سيكون مثله مثل كل شاب، يبدأ حياته من أول الطريق. 

إمتعضّت الأم، وخاب ظنها، أمّا كريستل وكعادتها في لغة الدموع والعيون، نظرت الى حبيبها وهو يغادر منزلها، وهمست في إذنه، سأتصل بك. 

خرج حبيبها مكسور الحِناح، تسبق خطواته سلالم من الخيبة، ونادته كريستل :

مستر ( واو )  
Take care !!!!
I, love you !!!

كانت كلماتها بلسما ً على جراح،
لم يتوقف نزيفه، 

وزاد الألم على مرّ الأيام،

وزادت القروح على تراكم السنين،
فلا دواء عليل، ناجع يُخمد البركان الذي إنفجّر، وبدأ ينفث الحمّم  دون هوادة. 
الفصل الحادي عشر :

من قصة، كراون دايسي و كريستل. 


وكعادتها كل مساء، إتصلّت به، وإنهمّرت عليه، عليه بذات الأسئلة،

 كان الْحُزْن، وإلاختصار باديين، وواضحين  من الأجوبة.

كانت تُحاول التخفيف من وقع الصاعقة عليه.   
 

قالت له، مازحة، لترطيب الأجواء. 
 
ولماذا التجهّم .. يا مستر واو ؟؟

غدا ً ،،،  ستدعوني الى العشاء، لاني أُحِب وإشتهي ان أتناول البصّل والزيتون، والفول، واللبنة، والخبز المرقوق، وأغرف بيدي، ولا أنظف أصابعي ألا بفمي ...

هذه هي انا :

أحّب ّٓ الامور على قلبي :

ان أكون معك ..

ان أمشي معك تحت المطر ..

ان يكون غدائي حُبك ..

لا تهتّم لكلام والدي، طالما ان أُمي بجانبي، ومعي وتفضّلك على سائر الشبان الذين تقّدموا لي ...

بالامس، نشب خلاف بين أُمي، 
وأبي ... وبيني ...

كنت واضحة، صريحة، معه :

وقلت له :

إما هو ...

او لا أحد ....

غضب، والدي وخرج من المنزل. 

لم تنفع كل هذه التوّسلات والأخبار مع حبيبها، لانه لا يُرِيد ان ينشُب خلاف عائلي بسببه. 

كانت الامور، والايام على قلتّها، تسير كالسلحفاة. 

كان التحُفّظ باديا ً وهو سيّد المواقف.   

أتى فصل الربيع، وإشتدّت الحرب الأهلية في لبنان،  ضراوة ً ...

كانت السماء تُمطر القذائف، كهطول المطر في فصل الشتاء ..

بدأت اللقاءات تتقلّص بسبب إنقطاع الطرق، وإنهمار القذائف، وتكاثر الحواجز الأمنية. 

كانت كريستل، ُترسل سائقها الى حبيبها، يحمل منها الرسائل والأخبار، ومع كل رسالة، زهرة ذابلة من كراون دايسي. 

سالها، لماذا ترسلي لي زهرة ذابلة، وانا لم انقطع عن إمدادك مع سائقك بكميات من الزهور النضرة ...

كان جوابها :

لاني حزينة،

 روحي ذابلة،

 وشوقي اليك،

كشوق هذه الزهرة للماء، 

وإن كنت تحبّني إسقي الزهور الذابلة،
وأحفظها،

 وإن ماتت لا ترمها، بل إدفنها داخل كتبك ...

وبقي يرسل لها في ذلك الربيع والصيف، أزهارا ً من كراون دايسي
وهي تُعيد اليه، الذابلة منها ...

وبقي يضعها داخل كتبه ..

وبقيت هي تصنعها، اكاليلا ً وعقودا ً
وأساور ...


الى ان أيقظه والده يوما ً، على خبر .. هز ّٓ كيانه، ونال منه مقتلا ً، وأجهض أحلامه، وأطبق على حياته. 

توفَيت  والدتها، إثر نوبة قلبية حادة
وخرجت الصُحف  في ذلك الصباح باللون الأسود، وتوقفت الإذاعة الرسمية عن بث ّ برامجها كالمعتاد .... حدادا ً على هذه السيدة الفاضلة. 

الفصل الثاني عشر :

من قصة كراون دايسي و كريستل   


لم يهدأ ذلك الصباح. 

إستاءت صحته، وبدا كالمجنون، كيف الوصول اليها، 
حاول مرارا ً وتكرارا ً الاتصال بها عبر الهاتف. 

كانت خطوط العاصمة مقطوعة، ذلك الصباح، للدلالة على حظّه السئ. 

ما لبث ان سمع طرقا ً على الباب، 

يوم ٌ رهيب، بدأ منذ الصباح، بقسوته، وشراسته، وظلمه ....

كيف لا يكون بجانب كريستل في اصعب يوم ٍ من حياتها. 

كان بجانب الباب،  ( العم فؤاد ) سائق كريستل، إعتاد ان يراه بالبدلة الرسمية، والقبعة، ولكنه اليوم كان حزينا ً والشعر الأبيض الذي ملأ رأسه زاده كِبرا ً وهما ً ...

قال له، العم فؤاد :

أرسلتني الست الصغيرة، لأُخبرك عن وفاة والدتها، وهي تطلب اليك ان لا تحضر يوم العزاء، لانها تخاف ان يحصل لك مكروه، ويكفي وفاة والدتها
ولا تريد ان تخسرك انت الاخر في هذه الحرب القذرة. 

وأضاف ان يوم الدفن تقّرر يوم غد في مسقط رأسها. 

وتقول لك، ستتكلم معك، وإلا سترسلني اليك. 

وهذه رسالة منها ....

فض ّٓ رسالتها، 

وقالت فيها :

خسرت أُمي، وعضُدي، وسندي ..

لم يبق لي إلا حِلْم واحد ..

هو انت ...

حافظ، عليه، وإهتم بنفسك، لا أريدك إلا ان تبقى مثلي الأعلى، وحبي الذي لا ينضب. 


مضى هذا اليوم والذي تلاه، وتلاه
وتلاه،  كالنار التي تنهش الهشيم.  


مضى الى قريته، في اليوم الذي حُدَد موعدا ً للدفن. 

قضى أيامه يجمّع، ويقطُف، زهور كراون دايسي، فيأخذ الذابلة منها، ويسقيها، حتى إمتلأت صفحات كتبه بالزهور. 

وبقي على هذا المنوال الى ان وصل فجأة الى قريته العم فؤاد، حاملا معه زهور كراون دايسي الذابلة، والتي كانت إستلمتّها قبل وفاة والدتها. 

فهم من الزهور الذابلة، ان أيامها من الان وصاعدا ً كلها ذابلة. 

حاول ان يعطي العم فؤاد باقة من الزهور النضّرة،  والتي قطفها صباح ذلك اليوم كعادته، 

الا ان العم فؤاد قال له :

قالت الست الصغيرة، 

اذا لم يقدّم لك، الزهور كعادته،
إياك ان تطلب منه ...

الحمدلله، ان باقة الزهور هي حاضرة جاهزة،  مثل كل يوم. 

اليوم  ستفرح، الست الصغيرة  لهذه الزهور. 

سأُخبرها، انك ما زلت تقطف هذه الزهرة كل يوم. 

قاطعه، قُل ْ لها ايضا ً :

سأبقى الى نهاية العمر، اقطف، وأقطف، وأقطف زهرة كراون دايسي. 

وبسبب الحرب الأهلية الطاحنة، قررت إدارة الجامعة، إعطاء إفادات لطلبة السنوات الاخيرة، بإجتيازهم السنوات المُقررّة. 

وقد إستنّدت الجامعة في قرارها، الى ان طلاّب السنوات الاخيرة، منهم من قُبل في جامعات، أجنبية،  ومنهم من حاز على على وظيفة. 

من جملة الطلاب الذين إستفادوا من قرار الجامعة،
كريستل، وحبيبها. 


لم يفرح هو، ولم تفرح كريستل، لان هذا وٓضٓعٓ حدا ً الى كل اللقاءات لو سارت الجامعة من دون هذا القرار. 


لمّا عاد الى بيروت، 

كان الأهل، قد ساءهم التدهّور النفسي  والصحي الذي بدا على وجهه.

الى أن أبلغته شقيقته الكبرى المتواجدة في اميركا، انه يتوّجب عليه السفر الى قبرص لاستلام سمة دخول الى الولايات المتحدة الاميركية. 


تلكأ في الذهاب الى قبرص ...
وتمهّل في القبول ...

الى ان إتصلت به كريستل، بعد طول غياب، عشية يوم من ايام الخريف. 

الفصل الثالث عشر :

من قصة كراون دايسي و كريستل. 


كان في قمة الضياع، والتردّد. 
الأهل يحثّوه الى السفر، فالظروف في لبنان ليست مؤاتية على جميع الصُعُد،،،،

حرب، وفوضى وإنهيار إقتصادي وشيك ...

ولغير عادته، رن ّ جهاز التلفون، وكانت المفاجئة الكبرى، كريستل تناديه، وبذات العادة المُحبّبة، الى قلبه،  لم تتوقّف إسئلتها، وإستفساراتها، حتى قال لها :

من أين ابدأ ؟؟

أجابت كيفا شئت المهم ان اسمع صوتك ....

أخبرها عن سمة الدخول الى اميركا
وسألته :

ماذا ستفعل ؟

ما زلت أتريّث، وأتلكأ.
 
قالت :
ولماذا ؟

أجابها، حتى أسمع منك شيئا ً ...
قالت، هذا يعني انك لم تتخّذ قرارك ..
أجاب ب نعم.
يعني، هل ما زلت  تنتظرني ؟؟

قال لها بالطبع،

 انت ظلّي، وخيالي والعمر من دونك،  

هو سراب، ارجو ان لا نقع فيه. 

قالت له تريد ان تسمع أخباري ؟

أجابها، بالطبع ... أُريد !!


قالت له :

بعد إنتهاء  مراسم الدفن، والعزاء لوالدتي، والذي إستمّر أسابيع طويلة،
فاجئني والدي بان دخل غرفتي، وقال لي :

هل ما زِلّت على الوعد ؟؟

قلت له، اي وعد تقصد ؟

قال،  الوعد الذي  قطعتيه  وبموجبه قبلت ان تنتقلي الى الجامعة التي تخّرجت منها، شرط ان تُكملي شهادة الدكتوراه في فرنسا. 

قلت له، الظروف تبدّلت، والاحكام تغّيرت، وإني بالوقت الحاضر أُفتش عن وظيفة هنا في لبنان. 

أجابها والحُنق باديا ً على وجهه :

وظيفة، هنا ...

وأجر ٌ لا يكفيك عدة ايام ...

أرفض رفضا ً قاطعا ً عِنادك وإصرارك على عدم السفر، 
هو بسبب زميلك  ...

فليكن معلوما ً لديك. 

لن تتوظفي،
ولن تبقي في لبنان،

 وستُكملي دراستك العليا في باريس، وقد تفاهمت مع سفير فرنسا، عندما منحنا جميعا ً سمّة الدخول. 

أجبته، ما دمت تفاهمت مع السفير، أكمل تفاهمك معه وإلتحق بالجامعة وإرجع،  لنا بالدكتوراه. 

زاد غضبه، 

وقلت له :

لن اسافر ..
لن أُكمل علمي ...
إفعل ما شئت ...

غضب، ومنذ أسبوع، تاريخ المواجهة، لم يُكلمّني، ولم ألتقي به. 


قال لها:

هل تُلاحظين ان الاقدار هي التي تتحّكم بمصيرنا ؟

وهل تُلاحظين اننا  نواجه  ذات المعضلة، ألا  وهي السفر طلبا ً للعلم. 

لماذا لا نفكر، ان باب العلم المفتوح لي في اميركا، هو ذاته  باب العلم الذي سيأخذك الى فرنسا ؟

أسئلة، 
يا حبيبتي كريستل لا تحتمل الا جوابا ً واحدا ً وهو ان نقرر سويا ً الان،  وهذه الليلة  ... السفر. 

لمعّت الفكرة في رأسها، 

وقالت له :

بوفاة والدتي، خسرت النصيحة. 
بوجودك انت، إستعدتّها. 

الى فرنسا .. سأذهب .. 
والى اميركا .. ستذهب .. 


هذه المكالمة، في خريف ذلك اليوم، كانت الاخيرة في حياة كريستل وحبيبها. 

قال لها كلمتين :

الى اللقاء،

  يا كريستل، 
يا حبيبة العمر. 

وأجابت :

سنلتقي،

 فأنا مثلك مُقتنعة بمبدأ ..

وٓصْلِ ما إنقطّٓع ...
ولن ينقطع ...

ولتكن أخر كلمة أقولها لك ..
... و .. أُحِبُك ٓ ...


الفصل الرابع عشر :
من قصة كراون دايسي و كريستل. 


في خريف تلك السنة، كان مطار دمشق الدولي يعّج بالركاب، المغادرين معظمهم من اللبنانيين، ومنهم حبيب كريستل. 

كانت الرحلة الى دمشق، من أقسى الرحلات، وأطولها، وأتعبها، كانت أجواء دمشق تختلف كلية عن أجواء بيروت التي كان يعيش فيها. 

كان الاقتصاد السوري، وغلاء الأسعار بسبب تدّفق اللبنانيين، يُثير قلق التجار، لانه، بنظرهم ان الارتفاع الجنوني لسعر العملة الوطنية،  لم  يكن  مُستندا الى مؤشرات إقتصادية، وكان الخوف إن توقّفت الحرب في لبنان، يتقهقر الاقتصاد السوري، وتتراجع العملة الوطنية. 


وصل الى مطار دمشق الدولي قبل عشر ساعات من موعد إقلاع الطائرة لخوف إنتابه من ان تسبقه الطائرة، فضلا ً عن انه حلِم. ومنّى نفسه انه قد يلتقي ب كريستل. 

لم يترك ردهة، او زاوية او مكانا ً داخل المطار إلا زرعه ذهابا ً وإيابا ً علّه يراها. 

سافر على الطائر الميمون، ولا يعرف شيئا ًعن مكان كريستل في فرنسا. 

وإنقطعت أماله، وبقيت ذكرياته، وبعض ازهار كراون دايسي، الذابلة. 


أمّا كريستل، بعد ان أقفلت المكالمة مع حبيبها، فاجئت والدها في مكتبه الخاص.

 ألقت التحية عليه، ولكنه لم يُعرّها اي إهتمام، او لفتة. 

قالت له بعنفوان ما بعده إعتزاز. 

أبلغك، إني وافقت على السفر الى فرنسا، وسأُكمل دراساتي العليا، بناء للوعد الذي قطعته لك، بوجود أُمي. 

نهض من كرسي مكتبه، وعانق كريستل،

 وقال لها :

انت ابنتي الوحيدة، وكل أمالي تنحصر فيك، وبعد وفاة والدتك ضاقت بي الدنيا، وزادت في ضيقها لما تشاجرت معك بخصوص  السفر الى فرنسا. 

سيكون لك شقة خاصة، قريبة من اهم شارع بالعالم  ( الشانزيليزبه ) وسيارة موديل هذا العام، ومصروف شهري لا تحلم به فتاة في عمرك.  

ولما تعودي، الى لبنان.  ستكون شركاتي، واموالي كلها تحت تصرّفك، لانك ستحملين الشعلة قبل، وبعد وفاتي.  

وقال لها :

 وهي تتعجّب ...

 لو تعلمين كم من الصعوبة واجهت حتى إستحصلت لك، قبولا ً من جامعتين في باريس. 

قالت له،
 ولماذا ؟

أجابها ان الجامعة التي تخرّخت منها لا تربطها مع اي جامعة في فرنسا معاهدة ثقافية، مثل الجامعة الاولى التي انفصلت عنها، ولكن الامر الذي نفع هو علاماتك في السنة الاخيرة، حيث كان ترتيبك الثاني.  

قالت له :

هل تعلم من كان الاول في دورتنا ؟

قال لها. لا اعلم ...

من هو ؟

إنه هو الذي كان يُرسل لي المحاضرات عندما كنت بالمستشفى. 

قامت كريستل، وعانقت والدها،
وسالت :

اي متى السفر ؟

أجابها والدها :

القرار لك ..

قالت له ؛

فليكن يوم  ٢٥  من هذا الشهر. 

وبقيت كريستل تعتبر يوم ٢٥  من كل شهر، هو يوم  مهم  في حياتها، لانه اليوم الذي قال لها حبيبها :

أُحبُك.
وبادلته ذات الكلمة. 


انتهى الفصل الرابع عشر :




الفصل الخامس عشر. 
من قصة كراون دايسي، وكريستل. 

ا

ا



 

  


 



 


    حبيب  كريسْتِّل ...

في  الولايات المتّحدة الأميركية.    


عندما هبطّت الطائرة التي تقّله، في مطار نيويورك  الدوّلي،  كان في أستقباله  شقيقته، التي فاجئته  بانه، سيقضّي  ثلاثة  ايام  في هذه المدينة، سائحا ً، ومنوِّها ً، عن نفسه، من  عناء السفر الطويل، والاحزان على  فراق  الأهل. 

كانت،  نيويورك، مربط  خَيْل  والدّه، الذي  هاجر في  بداية القرن العشرين، وهو ابن  ثمانية  عشر عاما الى  جزيرة  نائية  في الكاريبي، فأشّرقت  شمس  نجاحه التجاري، بعد حين، وصارت  نيويورك  مقصده  لترويج  تجارته. 

ولمّا، وصل الى الفندق، تذكّر عندما  كان  طفلا ً  صغيرا ً، يرافق والده بإحدى  زياراته  المتعدّدة، الى  هذه المدينة.   

كانت مدينة  نيويورك، في  سبعينيات القرن  الماضي  عاصمة المال، والاقتصاد، والتجارة  العالمية.
  
إستغرّب  كيف  تجانست، وتعانقّت، الأديان  والملّل، والشعوب  وألوان البشر، وإمتزجّت  مع  سُدرّة  منتهى  العلم، حتى  باتّت  هذه المدينة عاصمة  العالم، دون  مُنازّع، وكيف  انه،  وغيره،  وقبلّه، من  سكان وطّنه  الجريح  لبنان، هجّروا  او هُجِّروا  الى  أقاصي  العالم خوفا ً من  إنفلات  ألملّق، وإنبعاث  روائح  الجهل  الديني، والاستبدّاد في  فرض  هيبة  ملوك، وأمراء، الشوارع  في  كل  مدينة، او  حارة، او زقاق، من  هذا  الوطن  الهزيل، ببنيانه  العلمي، والديني، والاخلاقي، والسياسي.

كانت، السنة الدراسية، في إحدى  جامعات  الساحل الشرقي التي قبلّت طلبه، لإكمال  دراساته  العليا.

تأخّر، وتأنّى في  إختيار  تخصصّه، وكان  واضحا ً  وباديا ً  عليه  ميله  الى  التاريخ  السياسي  القديم، وأداب  الشعوب، التي  زهت  قبل  ظهور، الاديان  السماوِّية. 

خلال  دراسته، لفتّه  تعابير  جديدة  في  مصطلحات  التاريخ السياسي  الأميركي، إبان  ثورة  الاستقلال  عن  بريطانيا العظمى، بالعام  ١٧٧٦  وما بعدها. 

كذلك، تأثّر  بما أنتجّته  الحرب  الأهلية  الأميركية،  بالعام  ١٨٦١  وما تلاها. 

كان  ...

إذا  أراد  التحدُّث  عن  العفّة  السياسية، فلا  يري  بديلا ً عن جورج  واشنطن، الذي  رفض  ان  يبقى  رئيسا ً  للولايات  المتحدة، لفترات  طويلة، مستندا ً الى  منطق  الثورة، وهو  نزع  الذهنية  المٓلٓكِّية، والتوريث  السياسي، في  إدارة  العالم  الجديد. 

كان ...

إذا  أراد  ان  يعطي مثلا، عن  الحنكّة  القانونية، لا يستبعّد واضع  وثيقة  الاستقلال، والرئيس  الثالث  للولايات  المتحدة  الأميركية، توماس  جفرسون. 

كان ...

إذا البحث  في  التفوّق  الدبلوماسي، تنتصّب  أمامه  قامة بنجامين  فرانكلين، صاحب  الصوّلات، والجوّلات  فى  اروقة  بلاط الملكيات  الأوروبية، سفيرا ً  للثورة  المجيدة، في  ذاك  الزمن. 

اما ....

  فيما  يخّص  شرعة  وحقوق،  بني  البشر، لا  يرى، مثالا ً الا آبراهام  لنكولن. 

أمّا ...

الصداقة  النبيلة، المخلصة، لا يجد  الا  ماردين، شامخين  في مخزون  مفهوم  الصداقة،  الذي عندهما لا ينضب، الا  وهما  الجنرال غرانت، والجنرال  شيرمان. 

في،  هذا  الجو  العابق  بأزهى  ألوان  العلم  وحضارة  القرن العشرين، بدأ  ينهل  ما  لذ ّ  وطاب، ويغرف، من  علوم  الأوائل  كل مفيد. 

أدرك، ان  مخزون  الحضارات  القديمة، يُمكن  تدّفقه  وجريانه  الى العالم الجديد، بوسائل  وطُرُّق، تزيده  رونقا ً  وجمالا، عن  طريق  رجالات،  وادمغة،  تؤمن  بالتطّور،  والاعتراف  بالفكر  الاخر. 

في  هذه  الحقول  الزاخرة  بالعلم، ومباهج  الفنون  والعلوم، كانت كريسْتِّل ، لا  تُفارق  عقله، وفكره، وخياله، كان  دائم  البحث  عن  زهرة  كراون  دايسي، على  حافة  الطرق، وداخل  الحدائق  العامة، عبثا ً  كانت  محاولاته  تتوّقف، وهمّٓته  تخبو،  وايمانه  يضيع. 

حتى  وصل  في  ساعات  من اليأس، الى  قناعة  جعلته، يدخل دهاليز  الضياع، والقنوط، والاعتقاد  بانه  اذا  لم  يجد  هذه  الزهرة، في العالم  الجديد، فان  كريسْتِّل  ايضا ً  غير  موجودة  في  المقلب الاخر  من  العالم  القديم، وأنها  باتّت  سرابا ً  وحلما ً  وأملا ً  مفقودا ً  صعب،  المنال ..

عاش، لسنوات  في  فترة  يأس،  شبيهة  بالايام  التي  تلّت لقاءه  مع والدها، وقوله  له، بانه  ليس  بوسعّه  ان  يؤمن  حياة  سعيدة،  وكافية  لابنته،  كريسْتِّل. 

تألم  جدا ً  من  ملاحظة  والدها  له، وغلّت  خلاقين  من  الغضّب، في  كيانه، كيف  كان  تفكير  والدّها  به، وكيف  أحس ّ  بالمهانة، لانه ما زال  منذ  ذاك  الوقت  وبعد  عقود  من  الزمن  يبحث عنها، ويفتّش  عن  أخبارها،  ويضحي  بكل  غال ٍ  ونفيس ٍ  من  اجلها، ولا تفارق  خياله، ولا  تترك  حتى يقظتّه. 

 وتساءل، 
إن  صعوده  سلالم  العلم،  والصيّت، والشهرة  كان ...
 
بسبب كريسْتِّل، 

ومن  اجل  كريسْتِّل، 
ولكنها غير موجودة الان، معه  او  قُرْبه .... فقط بالخيال. 

وان  إيمانه،  ومعتقدّه  بالأساطير، ترسَّخ  في  حياته  وعقله، 
بسبب  كريسْتِّل، لانه  عاش،  وترعرع،  في  العالم  الجديد، وآمن  بانه سيجد  يوما ً، كريسْتِّل  بانتظاره  على  حافة  نهر التاريخ حتى، ولو طال  أمّد  الانتظار. 

لم  يَعُّد  يهتم  لشكل  كريسْتِّل ، بعد  تراكم  سنوات  من  العمر، على  غيابها، لان  الاسطُّورة  التي  يؤمن  بها،  تقول  ان  الأرواح  تتلاقى، في  زهو ٍ  وبهجة ٍ  وفرح  كالأطفال،  ولا تٓشيخ،  وكأنها  في  عز ّ الشبّاب، مهما  هٓرِم ٓ  الجسد  وتعب،  وتلاشى.

تعِب ٓ  كثيرا ً  من  أيمانه، ولكنه  لم  ينهار،  بل  كانت  صوّر  كريسْتِّل  تنهمر  عليه،  كالمطر  الغزير  دون  كَلَّل ٍ، او ملٓلّ ٍ، كلما  تصّفح  كتابا ً بداخله  زهرة  كراون  دايسي.
 
وعادت، ذكرى  موت  والدتها  كل  سنة، تؤرق  مضجّعه، حيث  كان يزور  اقرب  المدافن  في  مكان  إقامته، ويتجوّل  بين  القبور  يتحدّث مع  والدتها، ويشكُّرها كيف  انها  كانت  له  العضّد، والسند، والامّل في  علاقته  مع  كريسْتِّل ، وانه  ما  زال  يؤمن  بقدرتها  على مساعدّته، على  الأقل  في  إيجاد  كريسْتِّل ، وهي  السابحة  في الأعالي. 

وفي  كل  لقاء، كان  يسألها :
 
هل  وجدت،  كريسْتِّل ؟
 
هل  قابلت،  كريسْتِّل ؟
 
هل  ما زالت  تنتظرني،  كريسْتِّل ، 
أسئلة  تنهار  بين  القبور، وكأنها  صخور  تقع  من  الاعالي.
 
في  اخر  زيارة  لهذه  المدافن، وعّد  والدتها، انه  لن  يزورها  ثانية، الا  برفقة،  كريسْتِّل ، وطلّب  العفو، والمعذرّة، إن  تأخّر. 

كانت  زيارته  الاخيرة  للمدافن،  يشوبها  اليأس  وفقدان  الامل، ولكنه حافظ  على  رباطة  جأشه، 
وسأل نفسه :

كيف  يجتاحه  القنوط، والخيّبة  وهو  المؤمن  بان  الأساطير  هي  من واقع  الحياة. 

كيف  يترك،  ويهجر، هذا  الأيمان  ألمتجّذر،  في  كيانه،  ودمّه،  وعقله، وهو  الذي  اصبح، باحثا ً  وأديبا ً  لا تشُّق  الغبار  صيتّه، بين  أصحابه،  وأقرانه، وتلاميذه،  ومُريديه. 

عاد  وتذّكر، ان قصصّه، ورواياته، كلها  حول  الأساطِّير، وانها  قصص واقعية، وليست  من  ضروب الخيال، وانه  آمن  ونشر  معتقداته، بمؤلفات  عديدة،  تدور،  وتدور  حول  ان،  القصصّ  الحقيقية، تقارب الخيال  حتى  الاسطورة، وان  الاسطُّورة، تقارب  الواقع  حتى  تصبح حقيقة، وإمتزجّت  عنده  الاسطورة،  والقصة  كل  ذلك  يحدوه  الامّل، بان  يجِّد  كريسْتِّل.
 
 بعد  مرور  اكثر  من  أربعة  عقود، من  حياته، على  غياب  كريسْتِّل،  لم يتعايش  مع  فكرة،  فقدان  كريسْتِّل   الى  الأبد،  فإنكّب  على  الدراسة، وتلبية  الدعوات  من الجامعات  فى  شتى  أنحاء  الولايات  المتحدة، الامر  الذي  أدى  الى  إختّمار  فكرة  في عقله، وهي  الغوص  والإبحار  في  معتقدات  الشعوب  التي  عاشت  وسمّت، وزهّت  قبل  الاديان  السماوية. 

قرأ، الأساطّير  والملاحّم،  حتى  يزيد  في  معتقده  وإيمانه، وبالدلائل والبراهين، بان، الأسطورة  يمكن  ان  تكون  قصة  واقعية. 

بدأت  مؤلفاته،، تدور  حول  الأسطورة  في  عالمنا  المُتمدّن، وكانت حبكّاته  كلها، تتمحّور  حول  كيف، سيلتقي  يوما ً ب كريسْتِّل  في  عالم  معقّد  ومُرَكّب  بألف  عقدة.  

وبقي  على  هذا  المنوال، واستقال  من  كل  مهامه، وطلب  من الدوائر  الحكومية، إحالته على  التقاعد. 

حصل  له  عدة  حفلات  تكريم، فكان  زملاؤه،  وتلاميذه،  واصحابه  من  المتكلمين  في حفلات،  ومؤتمرات  التكريم. 

وفي  احدى  المرّات، وهو  في  سياحة  الى مدينة  نيويورك،  التي كانت  بالنسبة  إليه،  مكّة  حجّه،  ليستعيد  ذكرى  والده  ووالدته، لما  زار هذه  المدينة  في  القرن  الماضي، وذكرى  قدومه  الى  أميركا  في هذا  القرن  مع  شقيقته، سمع  صوت  هاتفه  الخليوي،  فأيقن  انها  مخابرة  من  خارج  الولايات  المتحدة  الأميركية،  فاستمع  الى المتكلم  وقال  له  انه  عميد  كلية  الآداب  والعلوم  الانسانية، في  احدى  جامعات  باريس، وانه  قد  أرسل  له  دعوة  على  عنوانه، لمناقشة  أطروحة، أعدّتها  تلميذة  عن  دور الاسطورة  في  عالمنا  المتمدّن، وقد  حدد  يوم  المناقشة  في  الاول  من  أيلول، اي  بعد  شهرين  من  تاريخه. 
وقد  أردف  عميد  الجامعة  بالقول،  ان  مستندات  الدعوة،  كتذكرة السفر،  والاطروحة،  والسيرة  الذاتية  للطالبة،  والإقامة  لمدة  عشرة  ايام، في  فندق  يطلّ  على  أفخم  شوارع  العالم،  في  باريس، شارع  الشانزليزيه. 

لم  يحتمّل  إكمال  المخابرة،  فأحسّ  بتعب ٍ  شديد، ودخل  الى  اقرب مقهى  فى  شارع  مانهاتن،  ليستعيد، قِواه  والى ما  ستؤول  اليه  هذه  الدعوة  الى  فرنسا، من  ذكريات  وعبّر ..... 

بدأت  الأفكار  تراودّه ....
منذ  اكثر،  من  أربعة  عقود، 
كريسْتِّل  سكنت  في  شارع  الشانزليزيه.   

لم  يَعُّد  يتذّكر  اسم  الجامعة، التي قبلّتها. 

وبدأت  الأسئلة  تتراكم، وتتزاحّم  في  رأسه، 

ومنها :
هل  الاسطُّورة، شارفّت  وقاربّت  الحقيقة. 

إستغرّب  هذه  الدعوة. 

وهو،  لم  يزّر  فرنسا  في  حياته، 
ولا  يتكلم  الفرنسية  إطلاقا ً، 
وكل كتاباتّه، ورواياته  باللغة  العربية. 

كان  يعتبر،  الولايات  المتحدة  الأميركية، دولة  رائدة  تقوم  على  تلاقي  جنسيات  المعمورة، وعلى  ابتلاع  لغات  الكوّن، وتدريسها  في جامعاتها، ولها  نظام  مبرمّج، مقوّنن، عن الهجرة،  ووسائل  او طرق، إستجلاب  عقول  البشر  من  كافة الجنسيات، للاستفادة  منها، وان عبارة  
God bless America

وُضعّت   للدلالة  على  انه  من نِعْم  الله  على  أميركا، هو العلم  والخير، الذي  يجلّبه  المهاجر، لهذا  العالم  الجديد. 

كان، يعلم  ان نظام  الهجرة  في  فرنسا معقّد، وغير  مفهوم  وان اللغة  العربية،  ليس  لها  شأن  كبير، في  جامعات  فرنسا، كما  لهذه  اللغة  من  مكانة  راقية، سامية  في  أميركا.
كان، تفكيره  في  فرنسا، ينسحب  الى  كونها  لم  تجلب  للدول  التي إنتدبتها، الا  تأسيس  كيانات،  وليس  دُوّل. 

ومع ذلك، قرّر السفر الى فرنسا.   

لما  عاد  الى  منزله، قرأ  بريده  المتراكم،  وتلهّف  لالتقاط  الدعوة. 
كانت  الدعوة  تحتوي  على الآتي :

 -/ تذكرة  سفر  لشخص  واحد.
 
-/ إقامة  في  فندق  فخم، ذي  خمسة  نجوم  في  شارع الشانزليزيه.
 
-/ السيرة  الذاتية  للطالبة، 
واسمها، كريسْتِّل  ( ......، )
 جنسيتها  فرنسية، 
من  أبوين، فرنسييّن. 
تتقن  اللغتين،  ألعربيه، والفرنسية، بطلاقة. 
تقيم، في  باريس. 
تبلغ  من  العمر  ٢٩ عاما ً.
 
-/ المرفقات، 
الاطروحة، على  شكل  كتاب، في  تجليد  فاخر جدا ً، وفي  اول صفحة  من  الاطروحة. 
 
إهداء  من  الطالبة  كريسْتِّل ،
 الى والدتها، 
يقول :

الى  أُمُّي، التي  آمنت  بقدراتي، 
وقفت،  الى  جانبي، 
وجعلت  من  الاسطورة، حقيقة ....
أُحبك، يا أمي ....

كريسْتِّل  ...... 
باريس ... ٢٠١٥ 
موعد  مناقشة  الاطروحة، 
اليوم  الاول،  من  أيلول  ويصادف  وقوعه  الثلاثاء.  

إنكّب على  التحضير، وقراءة  الاطروحة، وقبْل  ان يخلِّد  الى  النُّوْم  يوميا ً  يعود،  ويقرأ،  الإهداء ....
فهم  الاطروحة،

ولكنه  لم  يفهم،  الإهداء. 
قال  لنفسه، 
كتاب  الاطروحة،  فهمتّه. 
سطر، الإهداء  لم  افهمّه. 
 

الفصل، السادس عشر. 

آن  الرحيل ...
 وبدأت  كريسْتِّل  تحضير  حقائبها،  وكُتّبها،  وأغراضها الشخصية، إستعدادا ً  للسفر  الى  باريس. 

كان،  مطار  بيروت  الدولي،  مغلقا ً  بسبب  الحرب  الأهلية، ولم تقبل كريسْتِّل  السفر  عن  طريق  مطار  دمشق، لانها  ظنّت  ان  حبيبها، قد  يسافر  من  قبرص،  بعد  ان  ينال  سِمٌة  الدخول  الى  الولايات  المتحدة  الأميركية. 

بدأت،  بجمع  الأغراض  الشخصية، كذلك  كل  رسائله، التي  كان يزودّها  بها  أثناء  مرضها، ولم  تنس  هديته  التي  لم تفارقها. 

تلك  المرآة  الصغيرة ...
 كذلك  رسمه  لزهرة  كراون  دايسي، التي وضعتها  داخل  إطار  معظم  جوانبه، من  الذهب  الخالص. 

كانت، كريسْتِّل ، مثلها  مثل  حبيبها، تؤمن  بالظواهر  غير  الطبيعية،  وتقبل، فكرة  ان  بعض  الأشخاص، لديهم  قُدِّرات، وطاقات  خاصة، لا يٌستهان  بها، ولا  تسخر  من  قراءة  الكف، والفنجان. 
 
وكان، ل كريسْتِّل  صوت  جميل ..

إن  غنّت  تتمايل  مع  اللحّن، ويقول لها، ان  صوتك  الجميل، ملائكي  ليس  من  هذا العالم.

 وكان، يطّلب اليها  ان  تُغنّي، وتغني، حتى  يحّس  بانه  إنتقّل  الى  عالمها.

كانت، الابتسامة  لا  تفارقها ...

وكان  يحاول  جاهدا ً  ان  يُخبرها اخبارا ً مفرحة، ومضحكة،  حتى  تظهر  أسنانها  الأمامية، التي  تشِّع بياضا ً  وكأنها  أحجارا ً من  الألماس. 

ويقول  لها، انت  خلاف  الكرة  الارضيّة، عندك  أكثر  من  قمر، تظهر نهاراً  وتغيب  ليلا ً، إشارة  الى  أسنانها الأمامية. 

وكان، يمنّعها  من  قضم  الحبوب  الصلبة، خوفا ً  على  أسنانها الأماميات.  

وكان، بين  الفيّنة  والأخرى  ينظر  الى  خصرها  النحّيل، وعلى  مدار فترة  بقائها  معه، يعاتبها  إن  وضعت  وزنا ً ...

كان، شعرها طويلا، يميل  الى  السواد، الى  ان  فاجأته  يوما ً  بأنها قامت  بتقصيره، بصورة  مُلفتّة  ولم  تترك  له  مجالا ً  للاعتراض، لانها بادرّته  القول، فعلت، ذلك  للمعالجة، حتى  يستعيد  قوته، ووعدّته بأنها  لن  تُعيد  هذه  التجربة. 

كعادتها، كانت  كُتبّها  مليئة  بأزهار  كراون  دايسي، حتى  مالت معظم  الصفحات  الى  اللون  الأصفر، وعندما  كانا  يلتقيان  بعد عطلة  نهاية  الأسبوع، تبادره  فورا ً القول، كيف  كانت  الغّلة، كم  زهرة  جلّبت، فإن  كان  عددها  قليلا ً  قالت  له  انت  لا تحبّني،  وإن  كان  عددّها  كثيرا بانّت  عليها  البهجّة، والسرور. 

كان  يطلب  اليها، ان  تنظر  اليه  من  طرف  عينيها، حتى  تظهر له مساحة  بياض العين، وسوادها  اكبر، ويُنشدّها شعر  جرير :

إن العيون ٓ التي  في  طرفها  حٓوٓرٌ
قتلننا ... ثم  لم  يحيين ٓ  قتلانا

هكذا، كانت  كريسْتِّل، 
وهكذا،  كانت  حياتها  مع  حبيبها، 
حب ٌ متدّفق ٌ،
 وشغف ٌ، متواصل، 
وحنان ٌ، لا ينضّب، 
وحماية ٌ، مُكّثفة  للعاشقين. 

ولكن، جريا ً على عادتها، أصّرت  ان  يكون  سفرها  يوم ٢٥ من الشهر، لانه اليوم  الذي  قال لها  حبيبها، 
أُحبك ...

وبدأت،  تتنامى  لديها  فكرة  ان  للأرقام، دلالّات غير  مرئيّة. 

كانت،  في  كل  عمل، تنوي  القيام  به، تتردد  كثيرا ً  حتى  يقّر قرارها  على  يوم  مُحَدِّد، يرمز  الى  ذكرى  او  حادثة،  وقعّت مع حبيبها، او  مع  والدتها  التي  أجبتّها  كثيرا ً ... 

كانت،  كريستل، قد  اتفقّت  مع  والدها  بانه  سيبقى  معها  في باريس  لفترة  قصيرة  من  الزمن  حتى  تتّدبر  دخولها  الجامعة، وبقيّت  لديها  مسألة  واحدة  خلافية  مع  والدها. 
 
هو،  يريدها  ان  تدخل  كلية  إدارة  الاعمال، اما  هي  فإنها  تصّر على  دخولها  كلية  الحقوق، في  جامعة  السوربون. 

كانت،  نيّة  والدها  متجّهة  الى،  ان  كريسْتِّل  ستؤول  اليها  إدارة شركاته،  وممتلكاته، بعد  عودتها  الى  لبنان.
 
 وكانت،  تعدُّه  بان  نيلها  شهادة  الحقوق، تسمح  لها  بإدارة شركاته، بطريقة  أفضل، اما  اذا  درسّت  إدارة  الاعمال  فان  ذلك لا يسمح  لها  ان  تكون  متمّكنة، وعلى  قدّر  من  السيطرة  الفعلية. 

كذلك،  إشترطت  كريسْتِّل ، على  والدها، ان  يكون  سائقها  في باريس،  هو  العم  فؤاد، لانها  بعد  فقدان  والدتها، لم  يبق  لديها من  يُذكّرها  بحبيبها، الا  العم  فؤاد  لانه  بقي  في  جولات  الحرب الأهلية، ناقلا ً  اخباره  لها. 

وفي  يوم  ٢٥  بدأ  العم  فؤاد، نهاره  حزينا ً  وقلقا ً  عليها،  يمنعها من  حمل  اي  شئ، فينهض  مسرعا ً  للست  الصغيرة، يساعدها.

 وقد  لاحظت  كريسْتِّل  ان  الدموع  تنهمر  من  عينيه، فيمسح  دموعه ويُكمَّل  عمله، فتقدمت  منه  ...

وقالت  له :
ما  بك عّم  فؤاد ؟
أجابها، ماذا  تتوقعًّين، 
لم  أُفارقك  لحظة  واحدة  منذ  ولادتك، 

لم  تذهبي يوما ً  الى  مدرستك، او  جامعتك، الا  وكنت  سائقك الأمين، 

لم  تزور ِ او  تحضري  إحتفالا ً  الا،  وكنت  حارسك  البصير.

والذي يؤلمني  كثيرا ً  أني  لم  أتزوّج  طيلة  حياتي، وقد  كان  شعوري، وانا  أُراقبك  تكبرين  انك  عوضا ً عن  ابنة  كانت  ستكون  لي، لو تزوّجت. 
 
والذي  يؤرقني ، ان  الست  الكبيرة، والدتك  قبل  وفاتها  أوصتني، بعد  خلافك  مع  والدك، ان لا اغرب  وجهي  لحظة  واحدة  عنك، وان لا  أتركك، وان  أكون  بقربك  وانت  حزينة. 
هذا،  الذي  انا  فيه. 

وزادت  الدموع ...

وتبلّل  وجهه.  

إبتسمّت،  كريستل، 
وقالت له، 
عّم فؤاد :
ما بك ؟

هل،  تظّن  أني  ذاهبة  الى  فرنسا، من  دونك ؟

أجابها  العم  فؤاد، 
ماذا تقولي ؟ 

قالت  له :
من، شروطي  التعجيزية، التي  وضعتها  على  والدي  ان  تكون  معي في باريس، وان  يكون  لك  غرفة  خاصة، وسيارة  جديدة  كالتي تحبُّها  رينو، انت  تأخذني  الى  الجامعة، وانت  تنتظرني. 

لم  يتمالك  العم  فؤاد  نفسه، فإنهار  باكيا ً  مقبّلا ً  يديها، ووجهها، داعيا ً  الله  ان يخفطّها  في  حلّها  وترحالها. 

اما كريسْتِّل ، ضحكت  كثيرا ً  وقالت  له :
مهلا ً  مهلا ً  عّم  فؤاد، 
هناك  شرط  واحد. 
قال  لها، 
انت ِ  تأمرين.
 
قالت،  كريسْتِّل، 
إن ّٓ  سِمّة  دخولك  الى  فرنسا، سيجلبها  والدي  معه، من  صديقه السفير  الفرنسي، الذي  يقيم  مؤقتا ً  في  قبرص، وعليك  في  حال إستّتب  الأمن، وتوقف  إطلاق  النار  لهدنة، او  لاتفاق ...

عليك  زيارة  أهل  صديقي  في  بيروت، 

وفي  حال  لم  تجّدهم،  إصعّد  الى  الجبل  والى  قريته، والى  بيت أهله، لأَنِّي  اريد  ان  اعرف  كل  اخباره. 
واردفت قائلة، 

لا  تسافر  الى  باريس، اذا  لم  يكن  في  حوزتك .... اخباره. 
ماطل، وقم  بتأجيل  سفرك  حتى  تتمّكن  من  زيارة  أهله. 

أجابها  العم  فؤاد :
 سمعا ً وطاعة ً ...
سأجلب  لك  كل  أخباره، 
لأَنِّي  انا  أحببت  هذا  الشاب، 
فقط... لانه  يعشقك.


لما  هبطّت  الطائرة  في  مطار  أُورلي  بباريس، أحسّت  كريسْتِّل  ان حياتها،  تبدّلت، وتغيرّت.   


وكما  شاءت،  
دخلت  كلية  الحقوق  في  جامعة  السوربون، 
وكانت  حتى  فترّات  لاحقة  من  حياتها، تشعر  بأنها  لا  تنتمي  الى  الحياة  الاجتماعية  في  فرنسا. 

حاولت  جاهدة  ان  يكون  لديها  رفاق  من اللبنانيين، قلة ٌ  قليلة  جدا ً منهم، إستحوّذوا على  إهتمامها، فإنكبّٓت على  الدراسة، وانقطعت عن  ارتياد  الحفلات  الصاخبة  في اروقة  الجامعة، لانها  شعرت  بانه  ينقصها  رفيق  تأنس  اليه، او  تُغنّي  له. 

كانت،  كريسْتِّل ، قلقّة  جدا ً  على  حبيبها  لانها  لم  تسمع  اخباره، فانتقل  القلق  الى  الاستياء، من  تأخر  قُدُوم  العم  فؤاد. 

إفتعلت، النقاش  مع  والدها، وعاتبّته  على  تأخر  صدور  سِمّة  دخول العم  فؤاد  الى  فرنسا. 

الى  ان  فاجئها  والدها، بان  قدومه  سيكون  الأسبوع  المقبل. 

أصرّت، على  مرافقة  والدها  الى  المطار، 
وما  إن  وصل  العم  فؤاد  حتى  عانقتّه، وقد  بدا  هزيلا ً  مُتعبا ً من  عناء  الإبحار  الى  قبرص، على  متن  باخرة  تحمّل  سيارات لبنانية،  ومقتنيات، وأثاث بيوت، تعجّ  باللبنانيين  الهاربين  من  جحيم الحرب. 

أخبرها،  عن  رحلة  العذاب ..

وكيف  بقي  في  مطار قبرص  يومين منتظرا ً ركوب  الطائرة  الى  باريس، وخائفا ً  وقلقا ً  ان  يُعطّى مقعده الى  احد  النافذين  اللبنانيين، 
وقال  لها، 

لا  تغضبي  يا حبيبتي، ان اللبنانيين  في  قبرص  في  هياج  تام، الفاجر  منهم، يأكل مال  الضعيف  امثالي، ولو  كنت  معكم  لما خالجني اي خوف. 
لما، وصلوا  الى  المسكن، أخذته  الى  غرفته، 
وقالت له :
ما  هي  اخباره ؟

طأطأ  رأسه  حزينا ً  متألما ً  لا  تخرج  منه  الكلمات، 
نهرّته  كريسْتِّل، 

ما بك ؟
وعلى، جري  عادتها، كرّت  سبحة  الأسئلة :

هل، 
هو،  حي، 
ام،  ميت ؟
هل،  إلتقيته، 
هل، التقيت  أهله، 
هل، ما  زال  في  بيروت، 
هل، انتقل  الى  الجبل، 
هل، سافر، 
هل، حصل  له  مكروه ؟

أجابها، مهلا ً  يا  حبيبتي ....
لم، أجدّه  في  بيروت، 
ولم،  اجدّه  في  الجبل، 

قال  لي  جيرانه  لمّا  زرتّهم  اخر  مرة، اي  قبل  ثلاثة  ايام  من قدومي، انه، سافر  قبل  أهله  الى  الولايات  المتحدة، عبر  مطار دمشق، وان  والده  أوصله  الى  المطار. 

كذلك،  سافر  أهله  الى  الأردن، وأعطونا  مفتاح  البيت  للاهتمام  به في غيابهم. 

لم  تقو ٓ  كريسْتِّل  على  سماع  هذه  الأخبار، فاجهشت  بالبكاء، وجلست  امام  نافذة، غرفة  العم  فؤاد الصغيرة. 
وقالت، اليوم  هو  أتعّس  ايام  حياتي   

ضاع  مني  صديقي، 
ورحل  عني  حبيبي، 
وماتّت  أُمِّي، 
وماذا بعد ؟

حاول  العم  فؤاد  ان  يُهدأ  من روعها، وحرقتها، ولم  يفلّح. 

وكأن، هموم  الكون  وقعت  عليها، دفعة ً واحدة. 

وكأن، الْحُزْن ، بات  رفيق  دربها،
وكأن، الوحدة، باتّت رفيقتها،

بعد  هذا  اليوم، 

عادت،  كريسْتِّل  تختار  اللون  الأسود  في  معظم  الأيام، 
تذهب  صباحا ً  الى  الجامعة، 
وتعود  عصرا ً  تدخل  غرفتها، ولا  تخرج  الا  لتناول الطعام. 

وكان العم  فؤاد، من  كثرة  عطفه، وحنانه، على  كريسْتِّل ، أن  وضع  كرسيا ً  خشبيا ً  امام  باب  غرفتها، حتى  يسمعها  إن  ارادت  شيئا ً، او  طلبت  إستغاثة ً.

الى  ان  سأله  والدها يوما ً ...

الى  متى، ستبقى  جالسا ً امام  هذه الغرفة ؟
اجابه :
الى  ان  تنقلني  الى  القبر، محمولا ً  بهذه  الكرسي. 

كانت،  كريسْتِّل ، وبسبب  غزارة  عاطفتها، ودماثة  أخلاقها، وعظمة إنسانيتها، تشفّق  على  العم  فؤاد، ولا  تجرح  كبريائه  وتطلب  اليه، ان  يترك  باب  غرفتها  حتى  يبحث  لها  عن  زهرة  كراون  دايسي، في  شارع  الشانزليزيه. 

ويُجيبها، 
بهذا  الشارع  توجد  ازهار  برية ؟
تُجيبه، 

إفعل  ما  أقول  لك، 

وبحزن، وألم  تقول  له، حتى  في  أميركا، اشعر  انه  يبحث  لي  عن  زهرة  كراون  دايسي.
 
كانت  كريسْتٍّل  بهذه  الطريقة، التي  تختزن  فيها  أسمى مكنونات  رد الجميل، والعطف، والاحترام  لهذا الرجل، الذي  يعطيها  المحبة  دون حساب، تجعله  يمشي، ويتجوّل  في  شارع، كان  ملقى  وإعجاب سكان  العالم. 

وعندما  كان  يهِّم  بالخروج،
يسألها، 
ماذا  تريدين  ان  اجلب  لك، 
تقول، جريدة  لبنانية،
  
لم  تقرأ  في  حياتها، وطيلة  مكوثها  في  فرنسا  أية  جريدة  لبنانية، لان  من  تريد  ان  تعرف  اخباره، ليس  في  لبنان، ولا  يهمُّها  اخبار  لبنان، بل  كانت  الجريدة  تطلبها  حتى  يقرأها  العم فؤاد. 

نالت،  كريسْتِّل  الدكتوراه  في الحقوق، بدرجة  إمتياز، 

وأقام  لها  والدها  حفلا ً  دعى  اليه  معظم  الجالية اللبنانية  في  فرنسا، وخص َّ بالدعوة، زملاءها،  وأستاذها  الذي  ناقش  أطروحتها. 

بعد  انتهاء  مراسم  الاحتفالات، 
والعشاء  الفاخر  من  مطعم، مكسيم  الشهير،

ووصلات  من  الرقص  قامت  بها  فرقة، من  فناني  ملهى  المولان روج. 

تقدّم  اليها  والدها، وطبع  على  خدها  قبلة، وسلمّها  قلادة  من الذهب الخالص، فيها  مفتاح  سيارة  من  الذهب  الخالص ايضا ً، 

وقال  لها، 
ومثل، هذه  الهدية،
 وأغلى  منها، يوم  زفافك. 
لم،  تفهم كريسْتِّل  قصده، 

وقالت  له، لم  أفكر  بعد  بالزواج، 
أجابها، أني  شارفت  على  مغيب  عمري، وأريد  ان  ارى  أحفادي، واليوم،  إتصل  صديقي  من  موناكو، ودعانا  انا  وانت،  الى  قضاء عطلة  نهاية  الأسبوع  في  منزله، لان  ابنه  الوحيد، قد   إبتاع  يختا ً ويريدنا  ان  نقوم  معه  بنزهة، عائلية، بحرية.
 
إرتعدّت  فرائصها، 
وقالت  كريسْتِّل ، بغضب  شديد، 
تريدني  ان  أمخر  عباب  البحر  مع  ابنه  المكتنز  مالا ً  ... والفقير ... فكرا  ...
 وعدّدت صفاته، 

وقالت، هذا  لن  يحصل. 

بالماضي، رفضت  صديق  الدراسة، والآن  تفرض  ابن  صديقك، الثري، والخالي  علما ً وفكرا ً ...

 وانا  التي  تحمل شهادة  دكتوراه  بالقانون  من  السوربون،
تختار  لي  زوجا ً ....

 فليكن،  معلوما ً لديك :

لن  اتزوج  لبناني، 

والذي  ساتزوجه، هو  ثري ٌ  مثلك، 

واهم  شانا ً من  مركزك  الاجتماعي، انه  استاذي  في  السوربون، الذي  اشرف  على أطروحتي، 

انه  الدكتور جاك ،،،،، 
لم،  يحتمّل  والدها  هذا الكلام، 
قال  لها  انه، اكبر  منك  بسنوات. 
قالت، كريستل، 

لمّا  تقدّم  زميلي، وصديقي، والشخص  الذي  أحببّته، رفضت  لانه  ليس  من  مستواك  الاجتماعي  والمادي، ولم  تهتم  بالعمر. 

واليوم  ترفض، بسبب  العمر.

أبلغك، هذا  هو  قراري  النهائي، 
لان  الزواج  عندي، الان  هو، ان  أؤمن، لك  وريثا ً من  بعدي.  

الفصل، السابع عشر
 

الزواج  عندي الان، هو أن أُومن  لك وريثا ً من بعدي ...
هكذا  قالت الدكتورة  كريسْتِّل ، لوالدها، ودخلّت غرفتها تجهش بالبكاء. 

لم تعد كريسْتِّل  تحتمل أعباء الحياة وحيدة، تُصارّع الضربة تلو الضربة، حتى أٓنهكت قواها، موت شقيقها الوحيد، بحادث سير مروّع على طريق ساحل النورماندي، وبقيت طيلة حياتها، ترزح تحت وطأة موته، الذي  أعتبرت نفسها المسؤولة عنه.  

كانت كريسْتِّل  اثناء دراستها الحقوق، تريد ان تملئ الفراغ العاطفي عندها، فالجو الاجتماعي في باريس، والجو الطلابي في السوربون، وباقي جامعات فرنسا، بدأ يشهد في أواخر سبعينيات القرن الماضي حركات طلابية شبابية، وأصطدامات مع الشرطة. 

كانت كريسْتِّل ، لا تُلبّي الدعوات، لانها وحيدة ولم تجد من يحّل محّل حبيبها، فإنخرّطت بالجمعيات المدنية، وزاد شغفها بالدور التطّوعي، وتنامى دورها في هذه الجمعيات، حتى باتّت محّط الأنظار.

 وكانت دائما ً وأبدا ً تتذّكر حبيبها بالجامعة، عندما كان يُطلق عليها مدام همرشولد، عندما كانت تٌدوِّر زوايا خلافات طلاب الدورة. 

داغ همرشولد، كان أمينا ً عاما ً سابقا ً للأمم المتحدة، وقد أُشتهر بدبلوماسيته في فض ّ النزاعات، وكانت كريسْتِّل  تضحك كثيرا ً عندما كان حبيبها يناديها ب مدام همرشولد، حتى قالت له من باب العشق، والغنج، والدلال،

من تُحِّب اكثر، 

كريسْتِّل ، أم مدام همرشولد. 
يُجيبها، طبعا ً كريسْتِّل . 

لم تفعل كريسْتِّل  شيئا ً في فرنسا، ألا وله دلالات في علم الأرقام، يشير في مضمونه الى حبيبها، ووالدتها. 

في أواخر سنوات كلية الحقوق، كان صيت كريسْتِّل  في مجال التطّوع الطلابي، والهيئات، والجمعيات المدنية، قد ذاع، ولمع في أروقة السوربون، فهي الثرية، الذكية، القديرة، ذات الأخلاق الرفيعة، والصيت الحسن،  فإستدعاها عميد الجامعة، وأخبرها ان هذه السنة في أيار، وحزيران ستُقام حفلات وطنية في النورماندي، بمناسبة ذكرى إلانزال البحري للحلفاء، وتحرير فرنسا، في نهاية الحرب العالمية الثانية، وان رئيس الولايات المتحدة الأميركية، ورئيس وزراء إنكلترا هما، من بين الحضور، وقد طلبّت الحكومة الفرنسية من جامعة السوربون، القيام بتحضيرات والقاء الضوء على المعاهدات القانونية، التى تلّت هذا الاجتياح، وان إدارة الجامعة إختارتك، على راس فريق من طلاب الحقوق، يُشرف عليكم الدكتور جاك .......

فرحّت كريسْتِّل  كثيرا ً، ولكنها أشترطت ان يكون اول لقاء في النورماندي، يوم ٢٥ أيار

لم يفهم الدكتور جاك ،،،،،، تحديد هذا اليوم.
 
وتواعد الفريق على ان يكون اول إلتئام وإلتقاء لهذا الفريق، في اليوم المُحدّد الذي قررّته كريسْتِّل .  

كان شقيق كريسْتِّل ، قد وصل لتِّوه من بيروت، وعلى المطار أهداه والده سيارة جديدة، إختارت كريسْتِّل  اللون الأحمر، الذي تُحبه، ولا تفضّل لونا ً آخرا ً عليه، حتى في تلوين أظافرها. 

قالت كريسْتِّل  لشقيقها، بعد غد، في ٢٥ أيار سنذهب الى النورماندي في سيارتك، انت تقضي إجازتك على الشاطئ اللازورّدي، وانا أنهي عملي. 

نجحت كريسْتِّل ، في التحضيرات ولم تترك معاهدة دولية إلا وذكرتها، وكانت تُناقش الدكتور جاك ،،،،،، وتغمز دائما ً من قناة دور فرنسا، في إنهاء إنتدابها، لوطنها لبنان، وتُقارنه، وتُباعده عن، دور الولايات المتحدة الأميركية، بعد النورماندي، وتقول جِهارا ً وعلنا ً ان فرنسا، تركت لبنان بعد أنتهاء أنتدابها يتّٓخبط، أما أميركا بعد النورماندي، جعلت من فرنسا دولة عظمى.  

كانت كريسْتِّل ، تُلفت النظر لسعة إطلاعها، وكان زُملاؤها يكّنون لها واسع الإحترام والتقدير، خاصة رئيس الفريق.
 
كانت كريسْتِّل ، يجتاحها الشوق لحبيبها، حتى انها وفي فترات لاحقة من حياتها، تؤمن بان اي مكروه يحدث لها، هو بسبب عدم وقوفها بجانب حبيبها، وأنها تنال عقوبتها لهذا السبب. 

كانت هذه الفكرة، تؤلمها كثيرا ً، وكانت تسأل خالقها، لماذا لم يعطها القوة، حتى تدافع عن حبيب عمرها، بدل ان تتركه وحيدا ً يُقاسي، ويُعاني. 
 
وفي احد إجتماعات النورماندي، وقبل حفل الافتتاح، وقع المحظور، مات شقيقها بحادث سير مروّع على الشاطئ الذي كان لازورديا ً ومال الى السواد. 

لم يتركها زملاؤها، والمشرف على الفريق، ولا إدارة السوربون، التي طلبت من الحكومة الفرنسية، إنهاء التحقيق بأقصى سرعة ممكنة، كل ذلك بسبب أرضاء، وتخفيف شجون، كريسْتِّل . 

عادت كريسْتِّل  الى باريس، برفقة جُثمان شقيقها الوحيد. 


وبزغ في حياتها فجر، العذاب، والالم، والقهر، والحرمان، والندم، من جديد. 
 
لم تيأس  كريسْتِّل ، عندما رأت والدها ينهار، وقالت له،
 لا تخّف، 
سأُؤمن، وريثا ً لك من بعدي ...

فالزواج عندي، بات مهمة ....
ولن يكون غير ذلك .....


 الفصل  الثامن عشر

وعلى جري عادتها في فرض الشروط التعجيزية، طلبت كريسْتِّل  من جاك ،،،،،، الزوج المُحتّمل، ان يُعلمها عن الهدية التي سيقدمها لها قبل الزواج.
 
وبما انه، ينتمي الى عائلة ثرية، وسياسية، قام بتعدّاد ما ستؤول اليها من ألحقوق العينية، والمادية، والجواهر، ومزرعة في ريف باريس. 

أجابته كريسْتِّل ،

 كل ذلك لا يعنيني، ولا يهمني، ولا يُثير إهتمامي، او فضولي. 
أجابها جاك، متعجبا ً... 

ماذا، تطلبين ؟
اريد هدية الزواج ان تكون، الجنسية الفرنسية. 

أجابها دون تردّد، بعد عقد القران، باقل من ثلاثة أشهر، يصلك بالبريد شهادة، تُثبت حصولك، على الجنسية الفرنسية.
 
قالت كريسْتِّل ، أعلم ذلك، 
ولكني أريدها قبل الزواج، وان شروط أستحقاقي هذه الجنسية متوّفرة، ولكن القانون الفرنسي، وَمِسخه، القانون اللبناني، ينخّر فيهما الفساد الاداري، يحتاج الى توّسط، وغش، وخداع، وكذب، لنيل الجنسية، خلاف القانون الأميركي الذي لا يؤمن إلا، بسيادة القانون. 

هذا هو شرطي، حتى أُعلن قبولي بالزواج منك.
 
لم يحتّمل والدها، هذا الشرط التعجيزي، 

فسألها، لماذا كل هذا، 
ما دمت ستحصلين على الجنسية الفرنسيه، دون هذا الشرط.  

أجابت كريسْتِّل ،  
بعنفوان، وتحّد ٍ، وكبرياء، يُخفي في حناياه، الغصّة، والقهر، وحتى فقدان الامل.
 
أُريد تغيير إسمي، وهويتي، وجنسيتي، وإنتمائي، قبل الزواج، وعلى الطريقة التي أريدها. 
إني أكره إسمي، 

أني أُريد إسما ً جديدا ً،
غير هذا الاسم. 

إسمي القديم، نضال،
اصبح من الماضي. 

إسمي الجديد هو، كريسْتِّل . 
أجابها الزوج المحتّمل، سأفعل ما بوسعي. 

وقد فعل، باقل من ثلاثة أشهر، إذ وصل الى كريسْتِّل ،

كتاب يدعوها الى مقابلة، وإمتحان خطي في تاريخ فرنسا. 
نجحّت فيهما، كريسْتِّل . 
وأصبح اسمها الجديد كريسْتِّل  ..... 

كان العم فؤاد، وبعد عدة سنوات قضاها في فرنسا، قد إستاءت صحته، وأصبح مريضا ً هزيلا ً لا يبرِّح غرفته، بسبب كِبر سنه، وعجزه، وقد سمعته يوما ًيطلب من والدها،  خِفية عنها، أن يُعيده الى لبنان، حتى يموت هناك، فأنتفضت كالسيل الجارف، لتقول، لن يحصل هذا، قبل ان يسمح الأطباء الذين يعالجونك، بالسفر. 

قال لها العم فؤاد، بالرغم ان لا عائلة عندي في لبنان، ولكني أفضل الموت هناك. 

قالت له كريسْتِّل ، انت عائلتي، 
لن أتركك تُغادر فرنسا، الا بعد موافقة الأطباء، وقد حجزت لك غرفة في المستشفى، سأكون معك، حتى تنتهي من جميع الفحوصات الطبية. 

وليكن، معلوما ً لديك، ستبقى معي حتى أنهاء مراسم الزواج، وتسافر معنا الى لبنان، وتستقر هناك، تحت رعايتي، وإشرافي، مُعزّزا ً، مُكرّما ً حتى أخر يوم في حياتك. 

أجهشت كريسْتِّل  بالبكاء،
وضمت العم فؤاد الى صدرها،
وقالت له، سيكون لك ما تريد :

سأشتري لك أرضا ً في  قريته، 
وابني لك بيتا ً ،، 
قرب  منزل أهله :

حتى أُوفر عليك، التعّب في :

أن تُخبرُني، إذا رجع، 
أن تُعلمني، لو عاد، 

ألى هذا  الحد، ما زلت تُحبينه، 
سألها  العم فؤاد. 

أجابت كريسْتِّل ،
والدموع تلمع في عينيها :

غيّرت إسمي، 
حتى الناس من حولي يذكّروني به، كلما ينادوني.

لم يعلم بهذا الاسم، الا انت، وأُمي، وهو. 

كلكم ستغيبوا عني،
إلا اسم كريسْتِّل ، 
الذي، أحبّٓه .. حبيبي، 
وناداني، به ... حبيبي،

وسيبقى هذا الاسم لي،
ومن هو بعدي.


كانت مراسم الزواج عادية جدا ً....

إختارت يوما ً لحفل الزواج،
يعود تاريخه، الى يوم قدوم العم  فؤاد منذ عدة سنوات من لبنان، حيث أعلمها انقطاع أخبار حبيبها، وقد وقع هذا النهار في الثالث، من ذلك الشهر. 

لما علم والدها، بان كريسْتِّل  قررت يوم زواجها في الثالث من الشهر المقبل، لم يوافق، باعتباره يُصادف يوم الخميس، وهو يريده ان يكون السبت، او الأحد. 

اصبح كل من هو حول كريسْتِّل ، لا يُناقش، او يُجادل اذا هي قررت تاريخا ًً، لان علم الإعداد، والارقام بات هاجسها. 

عاشت كريسْتِّل، سعيدة مع زوجها، وزادت سعادتها لما رُزقت بابنة، أطلقت عليها اسم كريسْتِّل . 

وعاد العم فؤاد،
 يُعيد ويقول  :
الست الكبيرة، كريسْتِّل . 
والست الصغيرة، كريسْتِّل . 

كانت الست الكبيرة كريسْتِّل، تتنقل ما بين باريس، وبيروت، 
تُدير، مكتبا للاستشارات القانونية الدولية، في باريس. 
وتدير، مكتبا ً في بيروت، لإدارة اعمال والدها، الذي تقاعد عن العمل، وسكن في باريس، يلهو، ويقضي اجمل أوقاته، مع كريسْتِّل  الصغيرة، التي شارفت على دخول ذات الجامعة، السوربون في باريس.

اما العم فؤاد، فانه قد توفي، ودفن في قرية حبيب كريسْتِّل. 

وبقيت كريسْتِّل، تزور قبر العم فؤاد كل سنة، 
وتسأله :
هل،  رأيته،
هل،  زارك،
هل، هل، ووو هل. 

أما زوجها، الدكتور جاك ......، فقد توفي ايضا ً وبناء لطلبه، كان مرقده الأخير، في قصره بريف باريس. 
 


 

الفصل التاسع عشر.

 

بدأ الربيع العربي،
 بإطلالة مُبكّرة تُنذر بالوجوم، والسموم، وعواقب الأمور. 

كانت أخبار المشرق العربي، تملئ الصحف، والمجلات، والأخبار، بشتى ألوان الكذب، والخداع، والتدجيل، وكانت تتساءل الدكتورة، كريسْتِّل  الأم، امام زبائن مكتبها الحقوقي في باريس، وهم يعرضون مشاكلهم، ويطلبون مشورتها القانونية، انها لم تعّد تناقش من يقول ان التاريخ العربي، وخاصة التاريخ اللبناني كاذب، ومُغاير للحقيقة، نظرا ً وبالرغم،  نحن على مشارف القرن الواحد والعشرين، المترابط معلوماتيا ً،،،، ما زالت تتدّفق الأخبار المتناقضة، في وسائل الاعلام الحكومية، والخاصة والأجنبية، حتى انها قالت، كل خبر يصدر من لبنان، بحاجة الى هيئة دولية للتحّقق من صحته. 

كانت الدكتورة كريسْتِّل ، في بدايات القرن الواحد والعشرين، وهي خريجة جامعة السوربون، قد ذاع صيتها، ولمعت خبرتها، في مجال المرافعات القانونية، امام المحاكم الجنائية الدولية، وامام محكمة العدل الدولية. 

وقد برعت في المرافعة ضد جرائم الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الانسانية، وجرائم الحرب، خاصة، جرائم أوغندا، والكونغو.
  
 كانت كريسْتِّل  ترفض ان تُرافع، في محكمة دولية، خاصة تتعلق بجرائم أُرتكبت في العالم العربي، وخاصة موطنها لبنان، حتى أنّ والدها، حاول عبثا ً ثنيها عن هذا القرار، لانها كانت تقول له، ان حقوق الانسان، منعدمة على ارض الواقع، في عالمنا العربي، وخاصة لبنان، بالرغم من ان صفحات الدساتير البالية،  في طول البلاد العربية، وعرضها فاحت روائحها، لعفونة في الموّاد، نظرا ً لعدم تطبيقها. 

كان والد كريسْتِّل  قد قارب، التسعين من عمره، فإنتقل من بيروت الى الإقامة الدائمة في باريس، نظرا ً لصعوبة الحياة في لبنان، بعد ان إشرأب اللجوء من الجوار، في الاعناق، فإنعدمت ابسط، الضرورات الحياتية، كالكهرباء، والمياه، وطرق التواصل السلكية واللاسلكية، 

بالاضافة، الى ان حفيدته  كريسْتِّل، شغله الشاغل، وشغفه الدائم.
 
أما كريسْتِّل، الابنة الجميلة، والتلميذة الجامعية النجيبة، قد قاربت أواخر عشرينيات عمرها، قد أنهت أُطروحتها لنيل شهادة الدكتوراه في علوم الماورائيات، والأساطير.

كانت كريسْتِّل  الابنة، تتردد كل يوم على مكتب والدتها، وقد نشأت بينهن علاقة شقيقتين، اكثر منها، علاقة، ما بين الام وأبنتها. 

كُن ّٓ يخرجن الى المطاعم، ودور الأزياء، سويا ً ،
 وكن َّ يرتّٓدن، صبيحة كل احد، مطعم لبناني، في احد شوارع باريس الشعبية، لتناول الفول والحمّص. 

كانت كريسْتِّل، تُلاحظ أمورا ً ترافق والدتها، منها :

-/ كثرة الزهور الذابلة، داخل وخارج كتبها، وملفاتها المنتشرة في ارجاء المكتب.

 وقد لفتها ان مُدبّرة المكتب، لا ترمي زهرة ذابلة واحدة، أن بقيت على طاولة الاجتماعات، او وقعت أرضا ً، بل تُعيدها الى طبق مليئ، بهذه الزهور الذابلة.

-/ كانت تستعمل هذه الزهور، علامة ما بين الصفحات، فإن ارادت ان تُشير الى صفحة ما، تنزع هذه الزهرة، ومن ثم تُعيدها الى ذات المكان.
 
-/ كان على مكتب والدتها الفاخر، رٓسْم ْ بخط اليد لهذه الزهرة، داخل أطار من الذهب الخالص. 

-/ كان في داخل حقيبة يد والدتها، وعلى مدار الأيام،  منذ طفولتها، مرآة صغيرة، غطاؤها مرسوم عليه ازهار من ذات النوع. 

الى ان سمعت يوما ً والدتها،

تعاتب مٌدبرة مكتبها،
 وتسألها لماذا تنقص أعداد الزهور، وهل تقوم برميها. 

لم تعهد كريسْتِّل  الابنة، والدتها بهذا الغضب، 
وعلى ماذا ؟
ازهار ذابلة، يجب ان تُرمى، بالنفايات. 

دخلت كريسْتِّل  مكتب والدتها، وهدأت من روعها، وقالت لها سأنزل فورا ً لأشتري لك باقات من الزهور النضرة، اليافعة بدلا ً من هذه الذابلة. 

قالت والدتها، إياك ان تزيّني مكتبي، باي نوع من الزهور، 

فسألتها، ما هذا النوع من الزهور، لم أر مثله في حياتي. 

قالت لها والدتها، ان اسم هذه الزهرة، كراون دايسي، وهي زهرة برية تنمو في براري وجبال لبنان. 

توقفت كريسْتِّل  عن الحديث، بسبب دخول زميل والدتها، وعميد كلية الاداب والعلوم الانسانية، في السوربون الى المكتب، بناء على موعد سابق. 

دخل عميد الكلية، مكتب كريسْتِّل  الام، ولحقت بهم كريسْتِّل  الابنة، ودار الحديث بينهم حول ألاطروحة، التي تُعّدها كريسْتِّل  حول علوم الماورائيات، والأساطير. 

قال لها، عميد الكلية،

ان موضوع الاطروحة، هو حساس جدا ً نظرا ً ان عالمكم العربي يجتاحه اليوم التزّمت الديني، وحروب التكفير المدّمرة، التي بمُجملها تجافي فكرة الاسطورة، وتنعت علومها بالزندقة، إن أُعتبرت انها تتماشى مع عصرنا المتمّدن، وبالتالي ان معظم الأساتذة، الذين يتقنون العربية، في فرنسا تجنبوا نقاش الاطروحة، وبالتالي قررت الكلية الاستعانة، بأستاذ جامعي متخصص بهذا الحقل، من احدى الجامعات الأميركية، وأننا حاليا ً ننكب على دراسة الأسماء واختيار الانسب. 

لم تعترض كريسْتِّل  الام، على زميل دراستها، ورأيه، بل أستعجلته ان يُسْرع في إختيار الاسم. 

وبينما كان يهّم عميد الكلية بالخروج من مكتب والدتها، قام  بتسليم كريسْتِّل  الابنة، لائحة بالكتب، التي يقترح عليها ان تقرأها. 

قامت كريسْتِّل  بتوديع والدتها، على ان تراها مساء ذلك اليوم. 

لما وصلت الى غرفتها، إستلقت كريسْتِّل  على سريرها، وفتحت ورقة العميد، وقرأت اسماء الكتب، وهّبت كالمجنونة الى حاسوبها، تفتش بالإنترنيت، عن كتاب بعنوان :

قصة، كراون دايسي، وكريسْتِّل .
 للكاتب .......
إصدار جامعة هارفرد. 
للعام ٢٠١٥
وغلاف الكتاب، 
عليه ...
  نصف صورة  فتاة  تُشبه والدتها، وهي صبية،  تضع أكليلا من ازهار، كراون دايسي، 

وفي صفحة الغلاف الأخير، مجموعة ازهار من كراون دايسي على شكل قلب.

لم تنم كريسْتِّل  الابنة، تلك الليلة، 

فازهار كراون دايسي، الذابلة  في مكتب والدتها. 

والمرآة في حقيبة والدتها، عليه رسومات من زهرة كراون دايسي. 

والاهم، الأهم، رسم زهرة كراون دايسي بخط اليد، داخل أطار مُذهّب. 

والأهم، الأهم، والأهم، صورة غِلاف الكتاب لنصف وجه فتاة ......
تُشْبِه ..... أُمَّها، وهي صبية في عُمْر الزهور ....... 

 
الفصل العشرون. 


اقبل ربيع العام ٢٠١٥ على كريسْتِّل، الام شبيها ً بالربيع الجاثم على أُمَّة بلاد العرب. 

في بلاد ما بين النهرين، جرّت الدماء أنهارا ً، وعلا عواء الكلاّب المسعّورة، وماتّت الضمائر ميتّة الجيّاف، وأشرأب التزمّت الديني، وغرز انيابه، وأظافره في عقول البشر، فدخلوا الكهوف نياما ًً .. نوما ً  أبديا ً سرمديا ً.

اما كريسْتِّل  الام، سواء كانت في باريس، او في موطّنها، الذي كان، لبنان، أقبلّت على الستين من عمرها، وهي تبدو رتيبة، حزينة، قلقّة، شاحبة، شاردة، لا يوقظها الا أمران :

 -/ مُناقشة أطروحة ابنتها كريسْتِّل  .....، الذي بات بعد عدة أشهر.
 
 -/ وأسئلة ابنتها المتكرّرة، بصورة شبه يومية، عن زهرة كراون دايسي، وعلاقتها بها، كزخات المطر، في ليل عاصف ماطر، مُكفهّر. 
 
كريسْتِّل  الام، تألقت في، فرنسا، وفي بلاد الفرنكوفونية، وشق ّ صيتها آفاق، السماء، وعلّا  نارها أقواس المحاكم. 

وكريسْتِّل  الابنة، على قاب قوسين ان تنال الدكتوراه، في علم،  لم يجرؤ غيرها، على سبر غوره. 

كانت كريسْتِّل  الام،
تحلم معظم حياتها، بلقاء مع حبيب، لا يحدث الا بالأساطير، والقصص الخرّافية.

وكانت كريسْتِّل  الابنة، ناشطه جدا ً فى علوم الماورائيات. 

فتقاطع علم كريسْتِّل  الابنة،
مع احلام  كريسْتِّل  الام. 

كانت كريسْتِّل  الابنة، تلاحظ في أمها حُزن عميق، وتحاول جاهدة ان تُقنعها، بالسفر في سياحة الى الولايات المتحدة، حتى انها، حرضّت عميد كليتها، وصديق والدتها، بان يُجبّرها على قبول الدعوة التي وجهتها اليها، مؤسسة مارتن لوثر كينغ، لحقوق الانسان، في ذكراه السنوية. 

وعوضا ً عن السفر الى أميركا، آثرت السفر الى مرقد العم فؤاد في ذكرى موته. 

رافقت كريسْتِّل  الابنة، والدتها الى لبنان، خوفا ً وشفقة عليها، لانها كانت تلاحظ وتراقب والدتها، قبل ايام من السفر، انها خرجت الى مكتبها في يوم العطلة، فلحقتها لترى مشهدا ً لم تألفه في حياتها :

أمها تبكي،
وتقّلب صفحات الكتّب،
وتنزع الزهور الذابلة،
 وتقوم بوضعها داخل صندوق خشبي صغير، بطريقة فاق ترتيبها كل تصّور،
 
فتقدمت الى والدتها، وأطبقت عليها تغمرها، وتقول لها :

ما بك يا أمي،
 يا حبيبتي...
لماذا، تنزعين هذه الزهور، من بين صفحات الكتب ...

ان عمر هذه الزهور،
 يفوق عمري ...
لماذا، لماذا ...

بكّت الام، وبكّت الابنة.
وأمسكت يد والدتها، وخرجن سوية الى الشانزليزيه، يمشييّن، ويبكيّن، والصندوق الخشبي الصغير، مُقفل بأحكام على صدرها ....

فور وصولهن الى مطار بيروت صباح ذلك النهار الربيعي، طلبت والدتها من سائقها الصعود فورا ً الى قرية حبيبها، حيث مرقد العم فؤاد.
 
لم تتمالك كريسْتِّل ، الابنة العاشقة لوالدتها، ان تبقى طيلة الوقت، مرمية كل جسمها، وحواسها، وعقلها، على صدر والدتها، وكأنها طفلة صغيرة، تُقبلها، وتُعانقها وتقول لها، ماذا انا فاعلة يا أمي إن غبّت عني، فالشوق الى رائحتُك، وحنانك، وعطفك، لن أجده، في المعمورة، كلها. 

قولي لي :
ما بك ؟

لماذا، حلّت هموم الكون على أكتافك ؟
لماذا، سكنت الاحزان قلبك ؟
انك تقتلين حبي لك، بعدم البوح لي. 
انت تقولي عني، أني أسطورة حياتك، التي ستتحّقق. 
أخبريني،
لماذا : 

آثرت القدوم الى هذه القرية في لبنان، على ان تقبلي دعوة   تكريم اعظم رجل في تاريخ أميركا الحديث.
ماذا تنوين فعله ؟

أجابتها، سترين. 

لما وصّلن الى القرية، ودخَّلن منزل العم فؤاد المقفل، لاحظت ان ازهار كراون دايسي البرية، قد غطت معظم ارجاء الحديقة، فإنقشعت اساريرها، وطلبت من سائقها، ان يحفر حفرة صغيرة، وقامت بدفن الصندوق الخشبي، الذي حملته من باريس، والذي يحتوي على زهور كراون دايسي الذابلة، وقامت، وقطفت اجمل زهرة واحدة من كراون دايسي  من الحديقة، وألقتها على الصندوق برفق وحنان، وبدأت بيدها، تلقي التراب على الزهرة والصندوق، حتى اختفى كل شيئ.
 
عادت ادراجها الى السيارة. 
ولم تغسل يديها ذلك النهار. 
 
 

الفصل الواحد والعشرون.

المواجهة ....

بدأ التوتُّر يخيّم، في شهر تموز من العام ٢٠١٥ في المنزل الريفي في ضواحي باريس، حيث وصلت لتوّها كريسْتِّل ، ومعها رزمة بريد، تحتوي على ثلاثة كتُّب، كان عميد الكلية قد نصحها بالتمّعن في قرائتها، نظرا ً لان مؤلف هذه الكتّب، هو الاستاذ، القادم من أميركا لمناقشة أُطروحتها، في الاول من أيلول.  

دخلت كريسْتِّل  غرفتها، فتحت الرزمة، وهالها ان ترى احد الكتب بعنوان ....

قصة، كراون دايسي، وكريسْتِّل .
 
وصورة الغلاف، لوحة زيتية، لنصف صورة وجه فتاة،  تُشبه والدتها، عندما كانت صبية، يافعة. 

والغلاف الاخر من الكتاب، باقة من زهور كراون دايسي على شكل قلب. 
اما الإصدار، 

كان في ٢٠ نيسان من العام الحالي ٢٠١٥
اما الإهداء، 
فهو موجه الى :

 يوم، ٢١ نيسان،
 حيث يتقابل الليل والنهار. 

لم تلّب ِ نداء والدتها للغداء، بقيت كريسْتِّل  تقرأ، وتقرأ، وتقرأ، وتفّك الألغاز، وتحِّل الشفرات، والرموز. 
بدأت دموع كريسْتِّل الابنة، تحجب عنها القراءة، وتنفّست الصعداء، لما حلّت :

 لغز، الزهور الذابلة، 

والزهور، بين صفحات الكتب، 

والمرآة، التي لا تفارق حقيبة والدتها،
 
ورسم الزهرة داخل الإطار الذهبي. 
نظرت الى تاريخين،
 
٢٠ و ٢١ 
تاريخ نشر الكتاب، 
وتاريخ، الإهداء. 
عرفت كل شيئ، ولكن غاب عنها لغة الأرقام التي تُجيدها والدتها، وتؤمن بها. 

دخلت والدتها غرفتها،
 وهي تستعجلها، العشاء بعد ان غابت عن طاولة الغداء. 

وقالت لها :

كريسْتِّل ، حبيبتي يكفيك هذا النهار من القرّاءة،
 
لم تُجِب كريسْتِّل ، لان الدموع ما زالت تبلّل وسادتها، فتقدمت والدتها، ونزعت الكتاب من بين يديها، ورمته جانبا ً الا انها استدركت صورتها، على الغلاف، وتصفّحته بعجلة، ونظرت كريسْتِّل ، الى والدتها والدموع تنهمر، 
وقالت لها :

لا أسئلة عندي، 

زهرة كراون دايسي، عرفتها،

 ولكن، رقم ٢٠ ورقم ٢١، ماذا يعنيان. 
 والصورة الزيتية التي تُشبهك، من أين. 

اريد تفسيرا ً يا، أمي. 
إنهارت الام، على صدر ابنتها، واجهشت بالبكاء، 
وقالت لها، سأخبرك كل شيئ. 

دخلت الام الى غرفتها، وجلبت حقيبة يدها، وأخرجت منها المرآة، وكان بداخلها،
 صورة، نصفها موجود،
 وهي صورة المؤلف، 

والنصف الاخر، صورة غلاف الكتاب.

اما رقم ٢٠ دلالته، ان جدتك، كانت تصّر حتى أخر يوم في حياتها، انه يوم مولدي. 

اما الحقيقة في تذكرة الهوية،
 هو يوم ٢١. 
ماذا تريدين ان تعرفي اكثر. 

أجابت كريسْتِّل  والدتها، لا شيئ، 
 
ولكن أود ان أبلغك، ان رفيق الصبا، وحبيب عمرك الذي لم يفارق كيانك، هو الذي سيناقش أطروحتي.
 
وقع الكلام كالصاعقة، على الام، 
صرخت كريسْتِّل  بأعلى صوتها، 
ساعدوني، ساعدوني،
هب ّٓ جدُّها، 
ما بك، ما بك،
نُقلت الدكتورة كريستل، الى المستشفى،
 كما نُقلت نضال منذ أربعين عاما ً ...

ولمّا فتحّت عينيها، قالت 
إبنتها، وهي العالمة القديرة :
اليوم يا أٌمي، أصبحت الاسطورة، قصة حقيقية. 

وفي المقلب الاخر من الكرَّة الارضيّة، كان حبيب كريسْتِّل  الذي قارب أواسط الستينات من عمره، يسأل نفسه، لماذا قبل ان يُسافر، فإنه آن الاوان ان يترّجل عن صهوة جواده، فقرر ان، لا  يسأل الطالبة الأسئلة التعجيزية، التي أعدّها، لا بل رمى معظمها في سلة المهملات، وقال في نفسه، يكفي ان هذه الطالبة، تحمل اسم بطلة روايتي الاخيرة، حتى تجتاز كل الحواجز. 

قرر، ان يعطيها درجة إمتياز، لان أطروحتها فيها نظريات سبق له ان نشرها في مقالات ومدوّنات. 

تقرر موعد سفره، قبل ٥ ايام من مناقشة الاطروحة.
  
كان في استقباله، بمطار  أورلي عميد الكلية، ترافقه كريسْتِّل الابنة.
بعدها، انتقلوا الى جادة الشانزليزيه، 
فقال وهو يُكّلم نفسه، ويُكلمهما، لو تدرون، ان هذا الشارع كنت احلم به منذ ٤٠ عاما ً، وقد تحقّق حلمي، 
ووجه كلامه، قائلا ً ....

ألا تعتقدين مَس كريسْتِّل، هذه أسطورة ؟

أجابته كريسْتِّل ،

ألا تعتقد، انه يجب ان تكتمل، حتى تصبح قصة حقيقية ؟

نظر اليها، وقال :
معك حق، دكتوره، كريستل ...

يجب ان تكتمل، 
يجب ان تكتمل،
حتى تتحوَّل الى قصة حقيقية.  

فرح عميد الكلية، 
وتفاجئت كريسْتِّل،   
وقال لهما، 
يبدو ان مِس كريسْتِّل ، ستتحفّنا، يوم المناقشة. 

لما وصلوا الى الفندق، عرضت كريسْتِّل  على الضيف ان تدعوه الى السير في الشانزليزيه، فأجابها ... 

بكل سرور، مِس كريسْتِّل . 
 
سار مع كريسْتِّل،  والمساء لا يطّل بسبب الأنوار المنبعثة بإرجاء هذا الشارع العريض، فدعّته الى مقهى رصيفي. 
لاحظت، انه لا يناديها الا مِس كريسْتِّل . 
 
بعد ان ودعتّه، على باب الفندق، قالت له أرجو ان تقبل مني هذه الهدية المتواضعة. 

إبتسم وقال لها، لماذا ؟

قالت له :

ان لديك تعبيرا ً رائعا ً في روايتك، قصة كراون دايسي، وكريسْتِّل ،،،، اعجبني.
 
سألها ما هو التعبير ؟
قالت له، 
..... وٓصْل ِ ... ما إنقطع. 
ولن ينقطع ...

تعّجب، وأخذته الدهشة. 
سلمتّه الهدية، وإنصرّفت. 

دخل غرفته، وفتح الهدية وانبهّر نظره، 
إذ الهدية، عبارة عن زهرة كراون دايسي،
 من صناعة كريستال شواروفسكي، الأبيض والأصفر،
مغطّى، برسم هذه الزهرة،
 ممهورا ً ،،، بتوقيعه 
وبتاريخ، الاول من أيلول -١٩٧٤
لم يقو على الكلام. 
لم ينم، 

وإنفجّر فجرا ً،،، هائما ً في شارع الشانزليزيه ....

يفّتش عن كريسْتِّل . 

وانه، فهم مُقدِمة الاطروحة. 
وانه، فهم وصل، ما إنقطع ... ولن ينقطع. 

وانه، فهم ... يجب ان تكتمل ....



  



 كراون دايسي، وكريسْتِّل ،
الفصل الثاني والعشرون، والأخير .... 




كانت إدارة جامعة السوربون، قد حضّرت له برنامجا ً كاملا، متكاملا ً لمدة ثلاثة ايام، تسبق مناقشة أُطروحة كريسْتِّل.
 
 كان يرافقه في هذه الأنشطة، الصديق الجديد المُستجّد، عميد كلية العلوم الانسانية، حيث نشأت بينهما علاقة متينة، وقد اظهر له كل الاحترام، لمّا عرف ان اصوله، وجذوره، لبنانية.
 
وفي احد اللقاءات،
تساءل عميد الكلية وقال، انه امر ٌ عجيب، وغريب ٌ.... أيها اللبنانيون، في بلاد الاغتراب تتسلقون سلالم المجد، والشهرة، والصيت الحسن، اما في الوطن، فانكم تتّخبطون، وترجعون الى كهوف التاريخ المهجورة،

واسترسل بالحديث، وقال له :

هل تعلم ان الطالبة كريسْتِّل  .....، لديها جذور لبنانية، مثلك ؟
قال له،
 وكيف ؟

اجابه، ان والدتها لبنانية، 
وقد تزوجت من أستاذها جاك .....، 
وأنجبت منه كريسْتِّل.  
سأله، 
ما اسمها، واسم عائلتها. 
قال له، ان إسمها، الحالي ايضا ً كريسْتِّل، لانه عندما تزوجّت قامت بتغيير إسمها :
 من نضال، الى كريسْتِّل . 

لم يتمالك نفسه، وبدأ يشعر بصداع شديد، وألم حاد في أنحاء جسمه، وطلب ان يستريح.

ولمّا إسترجع أدراكه، طلب من العميد، ان يُكمل حديثه. 
  
قال له العميد، اوّد ان أبلغك ايضا ً، ان الدكتورة كريسْتِّل  طلبت مني ان ادعوك، الى حفل عشاء في دارتها، عشية يوم مناقشة الاطروحة. 

قال له بغضب ظاهر، عجيب امركم أنتم في فرنسا، تُخلطون الصداقة مع العمل، كيف تطلق عليها لقب دكتورة، وهي لم تُناقش أطروحتها بعد. 

ضحك العميد، ضحكة فرنسية عالية، صدحت بإرجاء أروقة الجامعة. 

انها الدكتورة كريسْتِّل ، والدتها، هي التي ستقيم هذا الحفل، وقد دعَّت اليه  نُخبة من رجال القانون، كالمحامين، والقضاة، وزملاء زوجها من اساتذة السوربون، لانها قررت التوقف عن المرافعات القانونية، امام المحاكم الدولية، والوطنية، والتفرغ كلية ً للتأليف والكتابة، والانخراط بالهيئات الدولية للإغاثة، بعد ان شاهدت الخراب، والدمار، والقتل، والتهجير، والسبي في بلاد العرب.

وقع هذا الخبر عليه كالصاعقة، لانه منذ ثلاثة ايام، بعد ان استلم هذه الهدية :
وهو يُسارع، في ان يلتقي بها،
وهو يُصارع، في عواطفه، وأشجانه،

نظر الى العميد وقال له، يبدو انك صديقها، اجابه أني صديق، ورفيق زوجها، الذي توفي منذ عشر سنوات، وزوجتي محامية، تعمل في مكتبها. 

قال له، منذ شهر دعتنا الى لبنان، انا وزوجتي وابنتها كريسْتِّل، لحضور حفل تسليم، منزل سائقها، الى جمعية مدنية تُعنى بالزهور البرية، لان لديها شغف خاص بزهرة لبنانية برية اسمها، كراون دايسي. 

سأله، ما علاقة سائقها، بها حتى تهّب منزله الى هذه الجمعية. 
أجابه، حسب ما أخبرتني زوجتي، ان سائقها لما عجز، طلب ان يعود الى وطنه، ولم يكن له من مُعيل، قامت واشترت له أرضا ً واقامت عليها،
منزلا ً صغيرا ً من حسابها الخاص، وبقيت تُعيله، حتى مماته.

وإستمرت في طقس ٍ إعتادت عليه، وهو زيارة قبره، كل سنه في تلك القرية النائية.
 
سأله، 
ما اسم هذه القرية ؟

قال، له سأعود الى جهاز الخليوي، لأَنِّي لا اتذّكر الاسم، ولكني قُمْت  بتصوير لافته على مدخل القرية، تظهر فيها اسم القرية، وعلوّها عن سطح البحر. 

كانت الضربة القاضية، التي هزّت كيانه :

انها، قريته، 

انها، قرية الآباء والاجداد. 

وتابع العميد، وكله شغف بتقليب صور هاتفه، 
ويقول :
أُنظُّر، أُنظُّر ...

كيف زرعت حديقة منزل سائقها كلها، بزهرة كراون دايسي،

وكيف طلبت من الجمعية، ان تهتم بالأزهار البرية، خاصة كراون دايسي، وأنها تزوّد الجمعية، وتدعمها بالاموال، منها ومن تبرعات  أصحابها. 

قال له، انها امرأة رائعة، 
وصلت الى اعلى مراتب الشهرة، وكانت وما زالت تُعتبر من اهم محامي المحاكم الدولية، ليس في فرنسا فحسب، بل في العالم. 

ولكن كان ينقصها شيئ واحد، كما تقول ابنتها. 

اجابه ما هو الشيئ الواحد ؟
اجابه،
وصلة واحدة، 

من شعار إتخذته طيلة حياتها،
وصل، ما إنقطع،
ولن ينقطع .....

توقفت انفاسه،
وفاق من غيبوبة، دامت ٤٠ سنة. 

عندما ،،، سأله، 
هل قبلت الدعوة ؟

 بعد مناقشة الاطروحة،
سأمر عليك بالفندق، مع زوجتي.

دخل الى غرفته في الفندق، وهو مهمومٌ، حزينٌ، مقهورٌ،
وسأل نفسه،
 
هل، وجود كريستل في حياته،
بعد أربعين عاما ً ... 
هو، نعمة ٌ ...
أم 
هو، نقمة ٌ ...

وبينما هو في صراعٍ،  متمادٍ،
متهاوٍ ...

وإذ بصوت الهاتف، يقضُّ، كيانه. 

كان الصوت المقابل إمرأة،
أجابها فورا ً ....
 كريسْتِّل ؟

أجابت، نعم، 

مستر واو ...

لم تتمالك نفسها،
وعادت الى سجيّتها، والى سابق عهدها، في سيل جارف من الأسئلة : مثل،

أين، 
وكيف، 
وماذا، 
وإذا، ووووووو

أجابها، كما كان يُجيب في الماضي. 
أي سؤال، أُجيبك ؟؟؟
بكّت كريستل،
وبكى هو،
قال لها، اراك غدا ً الساعة الثالثة،
أجابت، لن تراني، 

لأَنِّي ما زلت أتذّكر لما، دخلت قاعة المحاضرات، في الجامعة، منذ اكثر من أربعين عاما ً، وكنت مُتخّفيا ًعني، وانا قلِقة عليك، وبقيت طيلة المحاضرة، أشيح بنظري، يُمنة ً ويُسرة ً، وخلفي، وأمامي، ابحث عنك،
ولمّا ألتقينا قلت لي لا تسأليني عن المحاضرة، بل إسأليني كم مرة نظرت الى الخلف، وكم مرة وقع قلمك.... 

انا اليوم، سأستعيد ثأري. 

تغير الجو، من البكاء، الى الضحك،
قال، أين ستجلسين إذن ؟؟

قالت له، عليك بالبحث. 

قالت له، 
هل وصلتك دعوتي ؟
أجابها، نعم
وان صديقك اخبرني، كل شيئ ،،،
وعادت تسأله، 
هل أخبرك  ...
هذا،
ذاك،
وتلك، 

أجابها، نعم 
ولكنه لم يخبرني بأمر واحد. 
قالت، ما هو ؟
قال :

هل ما زلت تُحبيني ؟

إجابته،
 طبعا ً،
 أكيد،
ومؤكد،
ونعم،
 وأكثر،
وأقوى، 

سألها :
هل وجدت، وصلة، 
وصل ... 
ما إنقطع ،،، 
ولن ينقطع. 

نعم، وجدتها ،،، 
معك. 

وسألها، 

وبقي يسألها، 

وتسأله

الى ان قال لها،

هل الاسطورة،
 أصبحت قصة حقيقية ؟
قالت، نعم. 

إذن، كيف ستبدأ الان، القصة الحقيقية ؟

بيني، وبينك ؟

قالت، له ،،،

لا ادري، 
لا ادري
لا ادري

انتهت،
 قصة، كروان دايسي، وكريستل.  
وبدأت،
قصة، لا ادري، لا ادري. 




أعداد وتأليف 
 
فيصل المصري. 
اورلاندو / فلوريدا

حقوق الطبع محفوظة. 
لدى ولاية فلوريدا
الولايات المتحدة الأميركية. 
  
   
 

0 comments:

Blogger Template By: Bloggertheme9