الخاتم المُرصَّع بالأحجار الكريمة في أُصبع اليد
اليمنى عند المذهب الشيعي. ( دراسَة تاريخيَّة )
المُقدِّمة التي لا بُدَّ منها :
إرتداء الخواتم المرصَّعة بالأحجار الكريمة عند كثير من الشيعة سواء لدى رجال الدين أو عامة الناس، هو مزيج من الاقتداء الديني، والرمزية الروحيَّة، والعادات الاجتماعية الشرقية القديمة،
وليس الأمر مجرّد زينة فقط، بل يرتبط في الوعي الشيعي بمعانٍ دينيَّة وروحيَّة وتاريخيَّّة متراكمة عبر قرون.
فِي المُدونَّة :
الخاتم معروف عند العرب والفرس والروم قبل الإسلام بوقت طويل، وكان يُستخدم كزينة شخصية، أو ختم رسمي للرسائل والوثائق، أو إشارة لمكانة اجتماعية، أو ( تميمة ) أي رمز حماية.
عندما ظهر الإسلام لم يُلغِ لبس الخاتم، بل وردت روايات كثيرة عن لبس النبي ﷺ خاتماً، وكذلك عن الصحابة والأئمة.
تقول الروايات أنَّ خاتم النبي نُقِش عليه “محمد رسول الله”
ويُذكر أنَّ الإمام علي بن أبي طالب كان يلبس خاتماً أيضاً، وكذلك أئمة أهل البيت حسب الروايات الشيعيَّة.
في الثقافة الإسلاميَّة عموماً توجد أفضلية لليد اليمنى في لبس الخاتم، مثله مثل المصافحة، والأكل، والتزيُّن.
وفي التراث الشيعي توجد روايات تعتبر الخاتم باليمين من علامات المؤمن أو من سلوك أتباع أهل البيت.
ولذلك ترى كثيراً من رجال الدين الشيعة يضعون الخاتم في الخنصر الأيمن غالباً، أو البنصر الأيمن أحياناً، وذلك ليس فرضاً دينياً بمعنى الإلزام الفقهي، بل مستحب عند كثير منهم، وعلامة هوية ثقافية ومذهبية أيضاً.
ما قصة الأحجار الكريمة ؟
هنا يدخل البعد الروحي والرمزي.
في الموروث الشيعي — كما في بعض التقاليد الإسلاميَّة عموماً توجد أحاديث تُنسب لبعض الأحجار الكريمة منها، البركة، دفع البلاء، أو التيسير الروحي.
ومن أشهر الأحجار :
1. العقيق :
يُعتبر أشهر حجر لدى الشيعة، خصوصاً العقيق اليماني الأحمر،
وترتبط به روايات كثيرة عند الشيعة تقول إنه، يجلب الرزق، يقي مِن الفقر، ويُستحب أثناء الصلاة عند المعممين الشيعة.
٢. الفيروز :
الحجر الأزرق مشهور جداً في إيران والعراق.
وترتبط به معتقدات شعبية وروائية مثل، النصر، الحماية، جلب الطمأنينة. وأفضل أنواعه يُنسب إلى “نيشابور” في إيران.
3. الزمرد والأحجار الخضراء :
اللون الأخضر له مكانة رمزية قوية في الثقافة الإسلاميَّة، لون يرتبط بالجنة، وبآل البيت، وبالقداسة الروحية.
الفقهاء الشيعة عموماً لا يقولون إنَّ الحجر يعمل بذاته كقوة خارقة لأن ذلك يدخل في إشكالات فقهية، بل يعتقدون أنَّ الله قد يجعل في بعض الأشياء “ بركة ” كما توجد بركة في ماء زمزم، أو بعض الأمكنة، إلا أن بعض الناس يبالغون شعبياً في نسبة قوى غيبية للأحجار، أو اعتبارها جالبة للحظ، ( وهذا أقرب للفولكلور الشعبي منه للعقيدة الرسمية ).
من بدأ هذه العادة الدينيَّة في لبس الخواتم ؟
تطورت هذه العادة عبر مراحل :
العرب قبل الإسلام، الخاتم كان معروفاً كزينة وختم.
العصر الإسلامي المبكر، ارتبط بالنبي ﷺ ثم بالأئمة والصحابة.
التشيع الامامي، أصبح الخاتم خصوصاً باليمين وبعض الأحجار، علامة مرتبطة بأتباع أهل البيت.
العصر الصفوي في إيران، الدولة الصفوية :
هنا تحولت كثيراً من الرموز الشيعيَّة إلى هوية اجتماعية واضحة ( العمامة، السبح، الخواتم، الأحجار )، والطقوس العامة.
فانتشرت ثقافة الخواتم بشكل أوسع في إيران والعراق ولبنان.
لماذا يلبسها رجال الدين أكثر من غيرهم ؟
لعدة أسباب منها : الاقتداء بالأئمة ( يعتبرون ذلك من السنن المستحبة ) والخاتم أصبح جزءاً من صورة “ الشيخ ” أو “ السيد ”، يضاف إلى ذلك المكانة التقليدية في الحوزات العلمية : ( النجف، قم )، بحيث صار الخاتم جزءاً من المظهر المحافظ التقليدي، والبعد النفسي والروحي، كما أنَّ بعض فقهاء الشيعة يرى أن الحجر يذكّره بالدعاء، أو بالورع، أو بأهل البيت.
هل هذه العادة موجودة عند السنّة أيضاً ؟
نعم، ولكن بدرجات مختلفة، فكثير من السنّة يلبسون العقيق، أو الفضة، اقتداءً بالنبي ﷺ. لكن هذه الظاهرة أقل كثافة ورمزية مقارنة بالمجتمع الشيعي، حيث أصبح لبس الخاتم علامة ثقافية واضحة، ومتداخلة مع الهوية المذهبية.
هل هناك قواعد دينيَّة محددة للخاتم ؟
في الفقه الشيعي غالبًا ما يُفضّل أن يكون الخاتم من الفضة للرجال. الذهب محرَّم على الرجال عند الشيعة والسنّة عموماً.
أخيراً وليس أخراً …
لا يُعدّ ترك الخاتم معصية، وليس من أركان الدين ولا شرطاً للتقوى.
الخاتم عند الشيعة ليس مجرد زينة، بل رمز يجمع بين الاقتداء بالنبي والأئمة، والهوية المذهبية، والرمزية الروحية، والتقاليد الاجتماعية الإيرانية والعراقية القديمة، وقد تعززَّت هذه الثقافة خصوصاً بعد صعود التشيُّع كهوية سياسيَّة واجتماعية في إيران والعراق.
فيصل المصري
أُورلاندوا / فلوريدا
١٥ ايار ٢٠٢٦

0 comments: