يتم التشغيل بواسطة Blogger.

السبت، 15 مارس 2025

مِن النيل إلى الفرات. دراسَة تاريخيَّة وجغرافية ودينيَّة. المُدوَّنات الفيصليَّة.

نشر من قبل Faissal El Masri  |   7:35 م




 


مِن النيل إلى الفرات

دراسَة تاريخيَّة وجغرافية ودينيَّة

وفق الديانات الإبراهيميَّة الثلاثة


المقدمَّة التي لا بُدَّ منها :

العبارةمِن النيل إلى الفراتتُستخدم للإشارة إلى حدود تمتد بين نهر النيل في مصر ونهر الفرات في العراق، تاريخياً هذه الفكرة ظهرت في عدَّّة نصوص دينيَّة وتاريخيَّة، منها التوراة و التلمود كما استُخدمت لاحقاً في سياقات سياسيَّة مختلفة.

هذا النص مأخوذ مِن سفر التكوين (15:18) في العهد القديم وهو جزء من الكتاب المقدَّس لدى اليهود والمسيحيين، وفيه ذِكر لوعد الله للنبي أبرام ( أبرام قبل تغيير إسمه إلى إبراهيم ) بمنح نسله أرضاً تمتد من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات.

في اليهوديَّة والمسيحيَّة يُعتبر هذا النص جزءً من العهد الإلهي بين الله وإبراهيم، والذي يُعرف بـالعهد الإبراهيمي”. 

اليهود يرون هذا الوعد كإشارة إلى الأرض الموعودة لشعب إسرائيل، والتي تمتد وفقاً لهذا النص بين هذين النهرين

في المسيحيَّة  يُنظر إلى هذا الوعد ضمن السياق الروحي للعهد الجديد الذي جاء به المسيح.

الإسلام يعترف بإبراهيم كنبي عظيم وأبٍ للأنبياء، ويُعتبر هذا الوعد جزءً من التاريخ الإلهي الذي يتحدث عن أن الله بارك نسل إبراهيم، لكن في الإسلام  مفهوم الأرض الموعودة  لا يؤخذ بنفس المعنى القومي أو الجغرافي الموجود في اليهوديَّة، بل يُنظر إليه ضمن المفهوم الأوسع لبركة الله لإبراهيم ونسله، ومنهم العرب من خلال إسماعيل، وبنو إسرائيل من خلال إسحاق.

القرآن الكريم يؤكد أن الأرض ملك لله يورثها لمن يشاء من عباده الصالحين (سورة الأعراف: 128، سورة النور: 55).


فِي المدوِّنة :

العبارةمِن النيل إلى الفراتتُستخدم للإشارة إلى حدود تمتد بين نهر النيل في مصر ونهر الفرات في العراق، ظهرت هذه الفكرة في التوراة و التلمود

المصدر الديني في الديانة اليهوديَّة :

في التوراة  وتحديداً في سفر التكوين (15:18)، جاء وعد الله للنبي إبراهيم، في ذلك اليوم قطع الرب مع أبرام ميثاقاً قائلاً : لِنَسلِكَ أُعطي هذه الأرض، من نهر مصر إلى النهر الكبير، نهر الفرات. كما ورد في سفر الخروج (23:31) : “وأجعل تخمك من بحر سوف إلى بحر فلسطين، ومن البرية إلى النهر ( الفرات )، فإني أدفع إلى أيديكم سكان الأرض فتطردهم من أمامكم.”

( بحر سوف : يُعتقد أنه يشير إلى البحر الأحمر، وتحديدًا خليج السويس )

أمَّا في التلمود فلا يوجد نص مباشر يذكر عبارةمن النيل إلى الفراتولكن الفكرة موجودة في تفسير الوعود التوراتيَّة المتعلقة بأرض إسرائيل وحدودها المتوقعة.

هل النبي موسى ذكر هذا الوعد لشعبه ؟

النبي موسى لم يذكر هذه العبارة تحديداً لكنه نقل لشعب بني إسرائيل وعود الله المذكورة في التوراة بخصوص الأرض التي سيمنحها الله لهم. هذه الوعود وردت كجزء من التعاليم التي أُعطيت للشعب بعد الخروج من مصرجغرافيًا الدول التي تقع ضمن هذا النطاق اليوم إذا أخذنا العبارة حرفياً فإن النطاق الجغرافي الذي تغطيه يمتد عبر أجزاء من عدة دول حديثة وهي :

مصر ( النيل )

السودان ( يشمل مناطق النيل العليا )

إسرائيل

فلسطين

الأردن

لبنان

سوريا

العراق ( نهر الفرات )

السعودية ( أجزاء من الشمال الغربي )


الشخصيَّة الدينيَّة اليهوديَّة المرتبطة بالمطالبة بهذه الأرض :

في الديانة اليهوديَّة يُعتبر النبي إبراهيم ( أبرام ) هو أول من تلقى الوعد الإلهي بامتلاك هذه الأرض وفقاً لسفر التكوين، كما أنَّ النبي يشوع بن نون خليفة النبي موسى، قاد بني إسرائيل إلى دخول الأرض الموعودة بعد الخروج من مصر.

الفرق بين التوراة و التلمود

الفرق بينهما والمفهوم الديني لعبارةمن النيل إلى الفرات

التوراة  الكتاب المُقدَّس الرئيسي في الديانة اليهوديَّة :

 تتكون من خمسة أسفار ( أسفار موسى الخمسة ) :

التكوين، الخروج، اللاويين، العدد، التثنية.

تحتوي التوراة على الشرائع والقصَّص الدينيَّة التي تعكس العلاقة بين الله وبني إسرائيل.

التلمود  ( التفسير والشروحات الدينيَّة )

التلمود هو كتاب تفسيري وتعليمي يشرح ويعلِّق على التوراة.

 ينقسم إلى جزئين رئيسيين :

المشنا : مجموعة القوانين الشفوية اليهوديَّة التي نُقلت عبر الأجيال.

الجمارا : مناقشات وشروحات الحاخامات حول المشنا، تشرح القوانين وتربطها بالنصوص التوراتيَّة

يوجد نوعان من التلمود

التلمود البابلي ( الأكثر انتشارًا ) والتلمود الأورشليمي.

الديانات الإبراهيميَّة والوعد من النيل إلى الفرات. 

الديانات الإبراهيمية هي الديانات التي تنسب نفسها إلى النبي إبراهيم وتؤمن به كأب روحي أو نبي، هذه الديانات تشمل : اليهوديَّة و المسيحيَّة و الإسلام :

كل من هذه الديانات ترى في النبي إبراهيم شخصيَّة محورية في تاريخها الديني، لكنها تختلف في تفسير دوره وفي امتداد وعود الله له ولذريته، ويبقى السؤال الديني على رجال الديانات السماويَّة الثلاثة حله وتوضيحه

هل الوعد من النيل إلى الفرات يشمل أتباع الديانات الإبراهيميَّة جميعاً ؟

فِي اليهوديَّة :

في سفر التكوين ( 15:18) الوعد الإلهي لإبراهيم يشير إلى أن نسله سيرث الأرض الممتدة بين النيل والفرات، لكن التوراة لاحقاً حدد حصراً أن هذا الوعد موجه إلى نسل إبراهيم عبر إسحاق وابنه يعقوب فقط الذي يُعتبر الجد الأعلى لبني إسرائيل، أي اليهود.  

لكن وفقاً لسفر التكوين، إبراهيم لم يكن فقط أباً ليعقوب ( الذي أصبح بني إسرائيل )، بل أيضاً أباً لإسماعيل ( الذي يُعتبر الجد الأعلى للعرب )، 

في الإسلام يُنظر إلى إسماعيل على أنه السلف الروحي للعرب والمسلمين.

فِي الإسلام :

في القرآن الكريم النبي إبراهيم يُعتبر نبياً للأمة كلها، وليس فقط لبني إسرائيل، كما أنَّ الأرض ليست محصورة في شعب معين، بل يُنظر إلى إبراهيم كأب روحي للمؤمنين جميعاً، بغض النظر عن أصولهم العرقية.

قال الله في القرآن الكريم :

ما كان إبراهيم يهودياً ولا نصرانياً ولكن كان حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين. (سورة آل عمران 67)

هذا يشير إلى أنَّ النبي إبراهيم ليس مقتصراً على اليهوديَّة، بل هو نبي للأمم جميعاً


بناء عليه :

فإنَّ وعد الله للنبي إبراهيم مِن النيل إلى الفرات يمكن أن يكون له تفسيرات مختلفة عبر الديانات الثلاثة، فهو بالنسبة :

للدين اليهودي والتقليديين مِن الحاخامات، الوعد بإعطاء الأرض بين النيل والفرات هو وعد إلهي لشعب بني إسرائيل، ويُنظر إلى وعد الله لإبراهيم بالأرض الممتدةمن نهر مصر إلى نهر الفراتعلى أنه وعد جغرافي محدد موجه إلى نسل إسحاق وابنه يعقوب حصراً  ( إسرائيل ) أي بني إسرائيل

الدين المسيحي  يُنظر إلى إبراهيم كأب روحي، لكن لا يوجد تركيز قوي على الامتلاك الجغرافي، المسيحيَّة لا تركز على وعد الأرض كهدف قومي أو سياسي، لأن رسالة المسيح جاءت لتكون روحية وعالميَّة، وليست مقتصرة على بني إسرائيل فقط.

في العهد الجديد يتم إعادة تفسير مفهوم  أرض الميعاد على أنَّه ملكوت الله الروحي، وليس منطقة جغرافية محددة. يسوع المسيح لم يتحدث عن استعادة الأراضي، بل عن ملكوت الله الذي يشمل جميع المؤمنين بغض النظر عن أصولهم العرقية أو القومية.

في رسالة بولس الرسول إلى أهل غلاطية (3:29):

فإن كنتم للمسيح، فأنتم إذاً نسل إبراهيم، وحسب الموعد ورثةهنا يتم تفسير الوعد لإبراهيم بطريقة روحية وليس جغرافيةالوعد في المسيحيَّة لم يعد متعلقاً بأرض معينة، بل بالخلاص والإيمان بالمسيح كطريق للوصول إلى الله.


فِي الإسلام  يُعتبر النبي إبراهيم أباً للأمة الإسلاميَّة، لكن الأرض ليست مُلكاً لشعب واحد بل لله، ويُنظر إلى العقيدة بدلاً من الجغرافيا كوعد حقيقي، في الإسلام يُعتبر إبراهيم نبياً عالمياً، 

وليس مقتصراً على بني إسرائيل، كما أن وعد الله لإبراهيم لا يُفهم على أنه امتلاك أرض محددة لشعب معين، بل يُفسر في سياق البركة الروحية للأمم.   

القرآن الكريم لا يذكر تحديداً وعد الأرض من النيل إلى الفرات، لكنه يؤكد أن إبراهيم كان أباً للأمم كلها وليس لليهود فقط.   

قال الله في القرآن الكريم :

إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً (البقرة 124) هنا الوعد ليس بالأرض، بل بالقيادة الروحية لجميع البشر.   

فِي الإسلام الأرض ليست مُلكاً لشعب معين بل هي لله، يمنحها لمن يشاء بناءً على الإيمان والعمل الصالح، وليس بناءً على النسب العرقي، الإسلام يركز على مفهوم أنَّ البركة الإلهيَّة ليست محصورة في مكان جغرافي، بل تتعلق بالإيمان والتقوى.


بناءً على ما تقدَّم :

وبما أنََّّ النبي إبراهيم أباً للأنبياء وأباً روحياً للديانات الإبراهيمية الثلاثة اليهودية، المسيحية والإسلام

إنَّ هذه المُدوَّنة بعد البحث التاريخي والديني والجغرافي تدعو إلى إعادة النظر في التفسيرات الدينيَّة للوعد الإلهي، بحيث لا تكون مبرراً للمشاريع السياسيَّة والاستعمارية، بل تكون في سياقها الروحي والأخلاقي. كما تدعو المُدوَّنة علماء الدين الإسلامي والمسيحي بإبداء آرائهم الفقهية واللاهوتية حول هذه القضية، بدلاً من تركها لأصحاب الأجندات السياسيَّة والعسكريَّة.

الوعد الإلهي تم استغلاله سياسياً وعسكرياً، خصوصاً بعد نكبة فلسطين عام 1948، حيث استخدم الصهاينة هذا المفهوم لتبرير إنشاء دولة إسرائيل.


فيصل المصري 

المُدوَّنات الفيصليَّة 

أُورلاندوا / فلوريدا 

أذار ٢٠٢٥ 


   

   

0 comments:

Blogger Template By: Bloggertheme9