يتم التشغيل بواسطة Blogger.

السبت، 19 أغسطس 2023

علاقة العرب بالفرس قبل وبُعيد الإسلام. دراسَة تاريخيَّة فِي حضارة أُمَّة بدأت بشعار إقرأ وانتهت بشعار أُمَّة إقرأ …لا تقرأ.

نشر من قبل Faissal El Masri  |   6:09 م



 

علاقة العرب بالفرس قبل وبعيد الإسلام  

دراسة تاريخيَّة، في حضارة أُمَّة بدأت بشعار إقرأ وانتهت بشعار أُمَّة إقرأ … لا تقرأ. 


المُقدِّمة التي لا بُدَّ منها :


ولماذا هذه المدوَّنة الأن وغداً وبعد غد ! 

ولماذا تعصُّبي لقوميَّتي العربيَّة الدائم ويليه مباشرة حنيني لموطن الاباء والأجداد لبنان. 

ولماذا أعتبر في العديد من مُدوَّناتي وأبحاثي أنَّ مصيبة الإسلام العربي تُكمِن في مسلمي الأمصار والأقطار المتاخمة والبعيدة غير العربيَّة. 

  • ولماذا خوفي إن إستمر النهج العربي على حالهوخاصة في لبنان من خذلان وهوان ستأتي إلينا من بلاد فارس رايات ولاية الفقيه لتفرض أحكامها كما كتمت أنفاسنا عمائم حُثالة سلاطين بني عثمان لقرون عدَّة. 

وأتساءل هل فقد القضاء اللبناني عقله كما قال إبن خلدون منذ قرون ( إنَّ القضاء هو عقل الشعب ومتى فقدوه فقدوا عقولهم ). 

ويقلقني أيضاً هل أنَّ الإدارة الأميركية الحاليَّة طبقَّت نصيحة مستشار الأمن القومي لأحد الرؤساء السابقين لمَّا قال له ( دع الرئيس السوري حافظ الأسد يدخل بجيشه إلى لبنان حتى يحكم هذه الدويلة، لأنهم لا يعرفون أن يحكموا أنفسهم ).

وهل السفيرة الأميركيَّة في بيروت تُبلِّغ الطُغمَّة الفاسدة كلمة السِّر الأميركيَّة ( والاسرائيلية أيضاً ) حتى شرب بعض كبار القضاة والمسؤولين الامنِّيين وزوجاتهم حليب السباع ودبَّت الفوضى القضائية، حتى أنَّ جهابذة القانون في لبنان لم يفسروا ما يجري في شواطئ لبنان مِن تنقيب واستخراج للغاز والبترول هل هو ترسيم أو تحديد أو اعتراف بدولة إسرائيل، وغيرهم مِن رجال الدين المشاركين مع منظومة فساد مغارة علي بابا في دعم كلمة السِّر بتوثيقها بآيات سماويَّة من القرآن والانجيل وأصبحت

( إقرأ بإسم السفارات بدلاً مِن إقرأ بإسم ربّك ). 


وبالرغم من أنَّه باتت كلمة السِّر الأميركيَّة الإسرائيلية معلومة وواضحة بشكلٍ سافر، أقول أنَّه من دواعي فخري واعتزازي أنْ أُذكركُّم بالقبائل العربيَّة قبل الإسلام وبعده مباشرة، التي داست حوافر خيلها وأفراس قاداتها إيوان كسرى الفارسي وحطَّم بعيرها وقطعان إبلها مواقد وبيوت عبدَّة النَّار المجوسيَّة الزرادشتيَّة، وزرعت الخوف والهلع في شعوب بلاد فارس ونفوس دهاقنتها.  

وإلى متى نبقى أُمَّة إقرأ لا تقرأ. 

دعكم من القول أنَّ عرب الأمس قبل الإسلام عاشوا بالجاهلية في شظفٍ مِن حياةٍ وقلِّةٍ من ترف وكفرٌ وعبادة أوثانٍ وأصنامٍ وجهالة من دين.  

وحسبي الله أنَّهم كانوا بأفضل عِزِّ وأنبل شرفٍ وأوفرُ كرامةٍ من أن يقبلوا بحكمٍ وسيطرةٍ من قبائل غير عربية ك حُثالَّة القبائل العثمانية، لا بل كانوا أطهر كرامةٍ من أن ترفرف رايات الفرس الأنجاس المناكيد في صحرائهم أو في واحاتهم أو فِي مدائنهم، والتاريخ قد خلَّد ملاحم معاركهم الناصعة والمجيدة. 


وإلى مَن لا يقرأ التاريخ، أقول لم تكُّن يوماً العلاقات العربيَّة / الفارسيَّة على ما يرام وهذا الكتاب من النبي العربي محمد إلى ملك الفرس كِسرى يوضح ما يكِّنه الفرس للعرب :


مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ، سَلاَمٌ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى، وَآمَنَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَهِدَ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؛ وَأَدْعُوكَ بِدُعَاءِ اللَّهِ، فَإِنِّي أَنَا رَسُولُ اللَّهِ إِلَى النَّاسِ كَافَّةً؛ لأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ. فَإِنْ تُسْلِمْ تَسْلَمْ، وَإِنْ أَبَيْتَ فَإِنَّ إِثْمَ الْمَجُوسِ عَلَيْكَ»

أثارت تلك الرسالة غضب كسرى فأمسكها ومزَّقها وقال: «عَبْدٌ مِنْ رَعِيَّتِي يَكْتُبُ اسْمُهُ قَبْلِي»، 

وسبَّ النبيّ، فلمَّا بلغته هذه الكلمات دعا النبي العربي على شاه فارس وقال : « مَزَّقَ اللَّهُ مُلْكَهُ »

وصدق الرسول العربي، وقد مزَّق الله إمبراطوريتهم بسيوف مسلولة  ( أهمُّها سيف الله المسلول خالد بن الوليد ). 

المُدوَّنة : نظرة الفرس للعرب دونيَّة وهم أسياد. 


وبينما كان أفراد القبائل العربيَّة قبل الإسلام كلٌ على دين ملوكهم، كان الفرس قد نجحوا في تأسيس إمبراطوريتهم وقد ذكرها التاريخ  ب الدولة الساسانيَّة، وبالرغم من جبروت الفرس اعتادت بعض القبائل العربيَّة الإغارة على بلادهم. ولا يخلو تاريخ العصر قبل الإسلام من حروب مع الفرس وأهم معركتين شهيرتين وقعتا هما :

يوم ذي قار، أو معركة ذي قار.

معركةٌ وقعت بالعام ٦٠٩م. وكانت في عهد القائد الفارسي كسرى بن هرمز والنعمان بن المنذر ملك الحيرة، بعدما طلب كسرى من الأخير أن يزوِّجه إحدى بناته، فأبى النعمان الاستجابة له، فأرسل إليه ملك الفرس طلباً للمثول بين يديه، فعلم النعمان أنَّه سيقتله، فخرج من إمارته يبحث عن قبيلةٍ عربيّةٍ تجيره، لبَّى الاستغاثة هانئ بن مسعود كبير بني شيبان. 

لَمَّا وصل النعمان إلى كسرى بن هرمز محمَّلاً بالأموال والهدايا بعدما استودع نساءه وأهل بيته عند بني شيبان، 

أبى كسرى العفو عنه وقتله ( غدراً )، وأرسل إلى هانئ بن مسعود يطلب إليه أن يردَّ  كلّ ما بحوزته من أموال آل النعمان. 

رفض أبى هانئ الشيباني طلب ذلك المجوسي الفارسي. وعندها أعلن الفرس الحرب عليه. 

آزر بني شيبان أبناء عمومتهم قبائل بكر، كما لبَّت النداء قبائل أخرى بالخيل والسلاح، وتلاقى الطرفان في بقعة اسمها ذي قار. 

حقَّق العرب انتصاراً ساحقاً وأُعتبر من  أيامهم الخالدة.  


يوم الصفقة  :

معركةٌ  أراد كسرى بن هرمز الانتقام من بني تميم لأنَّهم اعتادوا اعتراض قبائله والفتك بها، فاستعان بحاكم اليمامة هوذة الحنفي للانتقام منهم، وهو ما نجح في فِعله بعدما جذبهم إلى حصنه كضيوف، ثم أعمل فيهم التقتيل غدراً وهذه  خصال وصفات الفرس (  الغدر والخيانة ).  


أهم قادة العرب الذين دكُّوا حصون الفرس دكاً، المثنى بن حارثة الشيباني     


كان يغِير هو ورجالٍ من قومه على تخوم ممتلكات فارس، فبلغ ذلك الخليفة أبو بكرالصديق، فقال عمربن الخطاب : 

مَنْ هذا الذي تأتينا وقائِعهُ قبل معرفة نسبه ؟ 

فقال له قيس بن عاصم التميمي : أمَّا إنَّه غَيْرُ خامل الذّكر، ولا مجهول النسب، ولا قليل العدد، ولا ذليل الغارة، ذلك المثنّى بن حارثة الشّيبانيّ.

ولمَّا قدم المثنى إلى المدينة المنورة، قال لأبا بكر الصديق : 

يا خليفة رسول الله، ابعثني لمقاتلة الفرس إن أمدَدْتني وسمعَتْ بذلك العرب أسرعوا إليَّ، واكفيك من العدوّ شرَّه، مع أني أخبرك يا خليفة رسول الله أنَّ الأعاجمَ تخافنا وتتّقينا.

ففعل ذلك أبو بكر الصديق، فقدم المثنى العراق، فقاتل وأغار على أهل فارسٍ وهزمهم.


أمَّا الخليفة عمر بن الخطاب كان يسمِّي المثنى بن حارثة الشيباني مؤَمِّر نَفْسه. وقد سيَّر له مدداً  في إحدى معاركه مع الفرس القائد العسكري  أبا عبيد بن مسعود الثقفي، فاستقبله المثنى واجتمعوا ولقوا الفرس ب قس الناطف  واقتتلوا فاستشهد أبو عبيد، وجُرِحَ المثنى ومات قبل معركة القادسيَّة. 

كانت وصية  المثنى بن حارثة الشيباني لسعد بن أبي وقّاص قبل معركة القادسية : 

أن لا يقاتل العدو إذا استجمع أمرهم وجندهم في عقر دارهم، وأن يقاتلهم على حدود أرضهم على أدنى حجر من أرض العرب وأدنى حدٍ من أرض العجم. 


خالد بن الوليد بعد أن اعتنق الإسلام، كتب إلى أهل فارس يدعوهم إلى الإسلام، فصمّموا على الحرب، واشتعلت المعارك بين العرب والفرس على أرض العراق، 

انتصر العرب في  النمارق و السقاطية  و باقسياثا  إلا أنَّهم انهزموا في موقعة واحدة ( الجسر )، ثم عادوا لسيرة الانتصارات من جديد عبر البُوَيب عام ١٣ للهجرة.

يقول الطبري :

همَّ  الخليفة عمر بن الخطاب بقتال الفرس، واختار سعد بن أبي وقاص والتقى الجيشان في القادسيَّة،  وانتصر العرب.  

وبعد ذلك فتح العرب المدائن عاصمة الفرس، وهزموهم مرَّة أخرى عند جَلُولاء، وكان من ضمن الغنائم الثمينة  سوار كِسرى. 

وبعدها شهَدَ عَهْد عُمر بن الخطاب تطوّراً وهو غزو العرب للفرس في قلب إمبراطوريتهم من خلال عدة معارك أهمُّها : 


نهاوند سنة ٢١ للهجرة، وعُرفت

بـ فتح الفتوح  لأنها الموقعة الفاصلة التي كفلت للعرب الاستيلاء على فارس. 

ومن بعدها كرَّت سُبحة نجاحات  العرب على أراضي كِسرى، والقبض على بعض الاسرى من الأمراء والأميرات. 

والمفارقة التاريخيَّة الكبرى والتي ما زالت أثارها باقية حتى قيام الساعة عند الفرس، أنَّ من بين الأسيرات ثلاثة أميرات فارسيات أشهرهن بانو شاه  (ملكة النساء) إبنة آخر أكاسرة فارس، والتي أُسِرَّت بصحبة أختيها، وتزوَّجها الحسين بن علي وأنجب منها إبنه زين العابدين، أمَّا أختيها فقد تزوَّجتا محمد بن أبي بكر الصديق، وعبد الله بن عمر. 

في العام ٣١ للهجرة  تمَّ  قتل يزدجرد الثالث وبموته انتهت دولة آل ساسان تماماً.


أخيراً …  

ستبقى علاقة العرب بالفرس مثل علاقة :

الغدر والمكر والخيانة والخداع والفجور والكذب، لا يلتقيان مع الوفاء والاخلاص والصدق والكرم.  

القطب الشمالي لا يقترب من القطب الجنوبي.

الغدر عند الفرس ليس معياراً أخلاقياً بل هو من طقوسهم. 

والثأر عند الفرس هو مُبتغاهم دوماً. 

العفو عند المقدرة مِن شيمة العرب الاوائل. 

والنار عند الفرس عبادة. 

والنار عند العرب الاوائل إكرام الضيف. 


فيصل المصري

أُورلاندوا / فلوريدا 

أب ٢٠٢٣م

الجمعة، 11 أغسطس 2023

وستبقى حضارة القبائل العربيَّة قبل الديانات السماويَّة التاج المُرصَّع على رؤوس شعوب عرب اليوم.

نشر من قبل Faissal El Masri  |   4:25 م


 

وستبقى حضارة القبائل العربيَّة قبل الديانات السماويَّة ( الإسلام والمسيحية واليهودية ) التاج المرصَّع بالكرامة والشرف على رؤوس شعوب عرب اليوم.  


المقدمَّة التي لا بُدَّ منها :


وما زالت حضارة القبائل العربيَّة الثقافيه والدينيَّة قبل الديانات السماويَّة التاج المرصَّع بالشهامة والكرامة والإباء والشرف على رؤوس شعوب عرب اليوم ودولهم. السبب يعود إلى أنَّ عرب ما بعد الديانات السماويَّة قاموا بحرق مكتبة الاسكندرية، وازهقوا العقل فِي الأندلس، وخلقوا النعرات المذهبية، وأشعلوا الفتن الدينيَّة، وشنُّوا الحروب تحت شعار نجمة داوود اليهودية، ورايات الصليب  المسيحية، وأعلام  الهلال الإسلاميَّة، نافخين البُغض والغيرة والتكفير، واستبدلوا المعلقات المذهبَّة، بمنصات التيك توك واليوتيوب والانستغرام وغيرها مِن ما يصّح فيه القول شتَّان ما بين الثرى والثريَّا. 

في مُدوَّنة سابقة ذكرت الصابئة أو المندائيون، وهي ديانة مِن حضارة العرب الأقحاح كانت تؤمن بوحدانية الله، وهذه المُدوَّنة التي نحن في صددها ( الأحناف ) هي أيضاً مِن حضارة الأجداد آمنت بوحدانية الله، وهذا يدّل أنَّ لفظة الجاهليَّة التي أُطلقَّت على العرب قبل الإسلام تدُّلُ عن جهل هم وقعوا فيه. 


في المُدوَّنة :

سبق وأكثرت الكتابة في العرب بعد الإسلام، ودائما كان يحدوني حُب الإطلاع إلى معرفة أحوال العرب قبل الإسلام من ناحية معتقداتهم وعباداتهم وطقوسهم. 

بعد مُدوَّنتي عن الصابئة أو المندائيون إليكم هذه المُدوَّنة عن الأحناف، وأيهما أسبق هم أم الوثنيون. 

التعريف المعجّمي للفظة ( حَنَف )

يقول أبن منظور والجوهري أنَّ الرجل الحنيف، هو من اعتزل الأصنام، وتعبَّد الله، الواحد الأحد. فالحنف أو  التحنُّف، يراد به لغوياً الميل أو التحوُّل من حالٍ إلى حال. ويراد به دينياً الانقطاع  كليةً إلى دين إبراهيم الخليل عليه السلام الذي دعَا إلى ترك عِبَادَة الأصنام وتعبُّد الله الواحد الأحد.

المستشرقون الذين درسوا العرب قبل الإسلام اعتبروا ( الحنيف ) أصلها آرامي، معروف لدى المسيحية قبل ظهور الإسلام وأطلقوها على من أعتنق دين التوحيد.

ومن المستشرقين أيضاً من اعتبر كلمة ( حَنَيف ) أصلها عبراني، وأطلقها اليهود المتزمِّتون على جماعة  منشّقة عنهم.

ومن المستشرقين أيضاً من اعتبر كلمة حنيف تعود إلى جماعة مِن الزهَّاد النصارى العرب، الذين اتَّسموا بتقواهم وترهُّبهم. 

ومن المستشرقين أيضاً من اعتبر كلمة حنيف من أصل عربي، بدليل أنَّ المسعودي ذكر أنَّ أهل مكَّة أطلقوا على كل من ترك عبادة الأصنام والأوثان ( صابئ أو حنيف ) أي خارج عن ملَّة  قومه وتاركاً لعبادتهم. 


وقد ورد في دائرة المعارف الإسلامية، النص الآتي :

إنَّ ظهور الإسلام، يؤرخ لسيادة الصنميَّة في الفترة السابقة التي كانت تتجلى بتعدُّد الآلهَّة. 

غير أنَّه متَّصل بالجانب التوحيدي، الذي دعا إليه الدين الحنيف ودعاته الأحناف، إذ كان يمثل معتقدهم بيت شعر لأُميَّة بن أبي الصلت أحد أبرز شعرائهم، وقد أتى على ذكره أبو الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني :

( كل دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنَّفية .... زورٌ )


هذا يدلٌّ أنَّ لفظة الجاهليَّة التي أُطلّقت على العرب قبل الإسلام، بمعنى أنَّهم يجهلون وجود الله، إنَّها تدلُّ عن جهل هم وقعوا فيه، لأنَّ العرب لم يكونوا كذلك. 

مما لا شك فيه، أنَّ العرب قبل الإسلام كانوا في صراع عقائدي، فلا يمكن القول إنَّهم اهتموا فقط بالشعر وسوق عُكاظ التي غطَّت سماء العرب بالمُعلقات والمُذهبَّات وكان أنبل وأرقُّ الشعر قاطبة، ولا يخفى أنَّهم اهتموا أيضاً بالناقة والفرَّس ودكُّوا حصون ومواقد مجوس الفرس، وهم في ذلك سطَّروا للتاريخ أبياتاً مِن الشعر تُعدُّ في الميزان ذهباً ودروساً في الحكمة والشرف والمروؤة  ما زالت تصلح لواقع حياتنا كل يوم. 

أمَّا الصراع العقائدي الذي لم يلقَ اهتماماً لا بل طمساً للحقيقة من بعض المُؤرخين والبحاثَّة العرب، هو الجانب المتعّلق بالقبائل العربيَّة الذين وحدوّا الله، وهم فئة الأحناف والصابئة. 

أمَّا فئة العرب المشركين ( عبدة الأصنام والأوثان ) لم يُقَصِّر مؤرخو الدين الإسلامي في النيل منهم. 

أمَّا أهل الكتاب، فإنِّهم خارج بحثنا الآن، وهم في عداد معتنقي اليهودية والمسيحية في الفترة التي سبقت الإسلام ومما لا شك فيه أنَّ هذه الفئة كان لها شأنٌ كبير في الحياة اليوميَّة للعرب آنذاك. 


في انساكلوبيديا لاروز عن تطوُّر الأديان، ونقلاً عن فلاسفة الغرب حيث يقولون إنَّ ظاهرة عبادة  الأوثان كانت أسبق من معتقد التوحيد، وإنَّ التوحيد كان تالياً للعقيدة الوثنيَّة. 

أمَّا عند البحَّاثة العرب فإنَّنا نرى الدكتور شوقي ضيف في كتابه القيِّم ( العصر الجاهلي ) أنَّه يجاري الباحثين في الغرب من أنَّ الوثنيَّة سبقت مُعتقد التوحيد وأنَّ الكثرة الكاثرة من العرب قبل الإسلام، كانت على الوثنيَّة بحيث آمنت بآلهة متعدِّدة إنبثَّت وأتَت مِن الكواكب، وكانت مِن مظاهر الطبيعة، ودخلت في أسماء قبائلهم.  


أمَّا فيما يتعلق بالتوحيد، فإنَّ فريق من العلماء والباحثين قالو إنَّ هذه العقيدة، الاله الواحد الأوحد ظهرت عند الساميين قبل ظهور الإسلام ( نفس المرجع انسايكلوبيديا الأديان ... لاروز ) 


والعرب مثل سائر الساميين، كما يوضِّح الدكتور جواد علي المفصَّل في كتابه ( تاريخ العرب قبل الاسلام ) أنَّ العرب هم موحِّدون بطبعهم وأنَّ ديانتهم هي من ديانات التوحيد، 

يُراجع في ذلك سورة الروم وفي سورة الإنعام من القرآن الكريم خير شاهد على ذلك :

( فأقم وجهك للدين حنيفاً، ( سورة الروم )

( إني وجَّهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفاً، سورة الإنعام )

والمقصود هنا بالدين الحنيف، هو دين إبراهيم وإسماعيل وهم أجداد العرب القدماء.


في كتابه ( بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب للألوسي )  ( أنَّ العرب الأوائل، كانت على ملَّة إبراهيم، فآمنت  بإله واحد وأقامت لوجهه الشعائر ورفعت البيت، وحجَّت إليه فكان حرَمه عظيماً ). 

ويضيف الألوسي ( بقي العرب على عقيدة التوحيد إلى أن جاء عمرو بن لحّي الخزاعي، الذي شرَّع لهم من الدين ما لم يأذن به الله تعالى، وهكذا تشرذمت العرب وافترقت في عباداتها، فعبدت طائفة منهم الأصنام وأخرى الشمس والقمر .... الخ. 

وهكذا تحوَّل بعض العرب من الحنفيَّة أي توحيد الله إلى الوثنيَّة .  

وقد قال ابن الكلبي في كتابه الأصنام ( إنَّ جُنوح العرب إلى عبادة الأوثان والأصنام، كان بسبب التماس المعاش في مجتمع القحط والجفاف الصحراوي )

ويضيف إبن الكلبي ( أنَّه كان لا يظعن من مَكَّة ظاعن، إلَّا احتمل معه حجراً من حجارة الحرّم تعظيماً للحرّم، فحيث ما حلَّو وضعوه وطافوا به كطوافهم بالكعبة، صبابةً بها وحباً، وهم على إرث إبراهيم وإسماعيل فعبدوا الأوثان وصاروا إلى ما كانت عليه باقي الامم ).

وكما سبق القول إنَّ أول عربي نصب الأوثان وعبدها، هو عمرو بن لحي الخزاعي، وتقول القصَّة كما وردت في كتاب الألوسي ( إنَّه لمَّا مرض عمروٌ هذا وُصف له ( حمَّة الشام ) وهي عين ماء حارَّة، فقصدها للاستحمام فبرأ من مرضه ) وقد وجد أهل المنطقة يعبدون الأصنام فقال :

ما هذا ؟ قالوا ( نستسقي بها المطر، ونستنصر بها على العدو ).  

فسألهم أن يعطوه مثلها، فأعطوه، فقدم بها مَكَّة ونصبها حول الكعبة ثم قام بتوزيعها على القبائل بحيث شاعت عبادتها بين الناس، وتحوَّل منهم عن عبادة رب السماء ( الله ) إلى عبادة الأوثان والأصنام.


يصف إبن إسحاق أنَّ عبادة الأصنام انتشرت بين قبائل العرب، بحيث كانت كل قبيلة تتخذ لنفسها صنماً تعبده، بحيث كان الرجل منهم إذا أراد سفراً  تمسَّح في الصنّم، وإن عاد تمسح فيه قبل الدخول إلى أهله.


وفي السيرة النبوية لإبن كثير : ( كانت بعض القبائل تتَّخذ بيوتاً تعظِّمها كتعظيم الكعبة، وأنشأت سدنةً  وحجَّاجاً وتطوف وتنحّر عندها ). وقد خرَّب معظم هذه البيوت خالد إبن الوليد ( يراجع في أسماء تلك البيوت السيرة النبوية لابن كثير) 

وأمر الرسول الكريم هدم كل البيوت، وأبقى على الكعبة رمزاً للوحدانية التي نادّت  بها الرسالة الإسلامية.

يتضح من أعلاه :

أنَّ عقيدة النبي إبراهيم عليه السلام، كانت متميِّزة وسائدة في المجتمع العربي قبل الإسلام.  

ويقال أنَّ ورقة بن نوفل كان حنفياً ومن ثم تنصَّر واستحكم بهذا الدين حتى عَلِمَ علماً عظيماً مثله أيضاً قس بن ساعده الأيادي.

وأخيراً لم يسجل التاريخ حروباً في الحضارة العربيَّة  قبل الديانات السماويَّة ما بين  ( الصابئة والأحناف وملة إبراهيم ) كما سجل التاريخ حروباً وتدميراً ما بين الديانات السماويَّة حتى وقتنا الحاضر.  

فيصل المصري 

اورلاندو فلوريدا

أب ٢٠٢٣م

  

المراجع :

 -/ المعارف، لابن قتيبة. 

 -/ جمهرة الأنساب، لابن حزم. 

 -/ السيرة النبوية، لإبن كثير.

-/ المسعودي. 

-/ ابو الفرج الأصبهاني. 

-/ إبن منظور. 

-/ الدكتور شوقي ضيف، العصر الجاهلي.

-/ الدكتور جواد علي المفصّل.  

-/ الألوسي، بلوغ الإرب في معرفة أحوال العرب. 

-/ إبن الكلبي، كتابه الأصنام. 

-/ ابن أسحق. 

-/ دائرة المعارف الاسلامية. 

-/ معجّم الصحّاح، ومعجّم اللسان.  


  


Blogger Template By: Bloggertheme9