Pages

▼

الأربعاء، 28 أكتوبر 2026

أيام المرأة اللبنانيَّة القادمة. أيام المرأة العربيَّة القادمة أيضاً. أقول لكُنَّ آن الأوان أشعلوها ناراً في صحراء عقول بعض الرجال

 أيام المرأة اللبنانيَّة القادمة. 

وأيام المرأة العربيَّة القادمة أيضاً.

أقول لكُنَّ آن الأوان …

أشعلوها ناراً في صحراء عقول بعض الرجال.



المُقدِّمة التي لا بدَّ منها :

إحتلَّت المرأة اللبنانيَّة مركزاً مرموقاً لا بل قيادياً، حتى أنَّ الإعلام الغربي لم يتوان عن الإشارة بكل إعجاب الى الدور الذي قُمْن به. 

أمَّا وقد تولت المرأة بعض الوزارت في الحكومة اللبنانية الحالية فإنَّه من السابق لأوانه إعطاء الرأي في أدائهن وإنجازاتهن لأن طريقة اختيارهن وضع مقاييسها هذه رجال السلطة، ورجال المصالح المشتركة. ( الدولة العميقة )  

لم يعد خافياً على أحد من المؤرخين الثقة غير العرب، أنَّ المرأة العربيَّة تمتعت بحقوق تراوحت ما قبل الدين الإسلامي وما بعده، وقد ظلمها بعض الفقهاء المسلمين في عصور لاحقة لصدر الإسلام في فتاوى وشروحاتٍ  يندى لها الجبين أحياناً كثيرة. 

كان العصر العثماني البغيض وأزلامه من حُثالة الفقهاء العرب قد أثخنوا جراح هيبة المرأة العربيَّة حتى أنِّ كل باحثٍ  يمقت ذكر الأوصاف التي ألصقوها في كنف ورمز الأمومة والخصوبة في هذا الكون. 

مصيبة المرأة العربيَّة تكمن في تفسير الفقه الإسلامي الذي قام به حثالة بني عثمان، وأنجاس عبدَّة النار من مُضرمي الحقد مجوس بني فارس.  

المرأة العربيَّة قبل الإسلام كان  دورها مختلف تماماً. 

شخصيا لم أستعمل تعبير الجاهلية في كُل مُدونَّاتي، في إشارةٍ الى الحقبة الزمنية التي سبقت الإسلام، لأنه تبين لي ولغيري أنه من أكثر العصور التاريخيَّة  تعرضاً  للظلم والتشهير. 

تعبير الجاهلية، هو مصطلح إسلامي ورد في  القرآن الكريم، عن حياة  الأمم  قبل الإسلام، ( ويربطها بجهل العرب من الناحية الدينيَّة ). 

وقد ورد مصطلح الجاهلية في النص القرآني :

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَآئِفَةً مِّنكُمْ وَطَآئِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ ……

أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ  

وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ  ……

إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ ……


بدأ رجال الدين الإسلامي وأعمدته من فقهاء بعد الدعوة بفترة قصيرة من الزمن الإمعان في التجريح والتحقير وإلصاق الموبقات لهذه الحقبة من حياة العرب وخاصة دور المرأة، بعد أن تخيَّل لهم أن الذاكرة في القلوب والأفئدة  والعقول  قد زالت بفعل موت الجيل الذي كان يكتنزها. 

كان الأسلوب الممنهج الذي إتبعه  الفقهاء والمؤرخون العرب، هو طمس وإغفال النواحي الأخرى الثقافية  والعلمية والحضارية  غير الدينيَّة التي سادَّت بين القبائل. 

عندما أوضحت في مُدونَّاتي أن الخطيئة الكبرى في صدر الإسلام، أنها محت من الذاكرة الحضارة العربيَّة التي سبقت الإسلام  لم أكُن مُرتداً، بقدر ما كنت أرنو الى أن أعرف عن حضارة الأجداد. 

وعندما قلت أن الشعر الذي سبق الإسلام حفظته الأفئدة والقلوب في الصدور، ولا فضل لمن أتى بعدهم في إيصاله إلينا، لم أكُن إلا من قال الحقيقة. 

وعندما قلت أن فاتح مصر عمرو بن العاص لما حرق مكتبة الإسكندرية بأمر من الخليفة عمر بن الخطاب لم أكُن مُفترياً، بل كنت باكياً يعصرني الحزن، لأن  الرواية تقول أن عمرو بن العاص رَفَع إلى الخليفة عمر بن الخطاب  خبر المكتبة الكبرى في الإسكندرية، فجاءه الجواب  بما نصَّه :

( أما الْكُتُّب  التي ذكرتها، فإن كان فيها ما يوافق كتاب الله، ففي كتاب الله عنه غنى، وإن كان فيها ما يخالف كتاب الله فلا حاجة إليه، فتقدَّم بإعدامها ). 

فوُزِّعت الْكُتُب على أربعة آلاف حمام بالمدينة، ومضت ستة أشهر قبل أن تُستنفذ  لكثرتها. 

المرأة العربيَّة قبل الإسلام كانت الهدف في الأذيَّة، وقد أفلح هؤلاء الفقهاء ( عرب وغير عرب ) ردحاً من الزمن في طمس الحقائق وإظهار المرأة العربيَّة وكأنها  متاعٌ يورَّث، كائن مهمش في مرتبة هي أدنى من الرجل  بكثير وأعلى من الأنعام  بقليل، مسفهة دوماً، معرضة بشكل مستمر للقمع والظلم والانتقاص من الحقوق. 

أمَّا الحقيقة التاريخية الثابتة، هي أن المرأة العربيَّة كانت ركناً أساسيَّاً في الحياة قبل الإسلام في جميع مجالات الحياة  فهي الحبيبة، والأم، والأخت، والشاعرة، والمربِّية، فافتُتِن بها الشاعر الجاهلي أيَّما إفتتان، ووصفها في كلِّ مناسبة، وهامَ بها، كما أحبَّها وإحترمها وأنزلها المنزلة التي تليق بها.

بعد هذه المُقدِّمة …

إليكم المُدونَّة :

المرأة العربيَّة قبل الإسلام :

يذهب بعض المؤرخين والمستشرقين، خِلاف الفقهاء المسلمين  إلى القول علناً أن المرأة العربيَّة كانت أكثر تحرراً  قبل الإسلام، ويستشهدون على ذلك بالزواج الأول للنبي محمد  والذي كان زواجاً عن طريق طلب السيدة خديجة بنت خويلد  بأن أرسلت إحدى صديقاتها إلى النبي محمد تعرض عليه الزواج، لأن السيدة خديجة بنت خويلد كانت أعظم نموذج لذلك العصر إذ كانت من ذوات المال، وكانت تشتغل بالتجارة ولها قوافل تجارية تخرج سنويا إلى بلاد الشام، وكانت تشرف بنفسها علي تجارتها، وتعهد بها لأهل الثقة والكفاءة والأمانة. 


وللدلالة على أن المرأة عند العرب قبل الإسلام كان لها قيمة معنوية، لا تختلف عن قيمتها لدى الحضارات الإغريقية واليونانية والرومانية، فإن المؤرخين أثبتوا أنهم أي العرب عبدوا ( آلهة ) أصناماً  أُنثويَّة وهي :

اللَّاتَ وَالْعُزَّىٰ، ومَنَاة،  وسواع، وفِي ذلك إنسجام  تام  مع روح العصر الذي  كان سائداً، حيث وصف هوميروس بأن الآلهة كانت على شكل البشر( أُنثى ) من حيث الصورة ومن حيث الخلق. 

كذلك إعتبر الفيلسوف أكسانوفان أنَّ الناس هم الذين خلقوا الآلهة على شاكلتهم وصفاتهم وهواهم ثم عبدوها، والعرب في ذلك كانوا على ذات المنوال. 

كذلك في كتابه بلوغ الأرب في معرفة أحوال العرب، يقول الألوسي :

كانت أفروديت آلهة الجمال عند اليونان. 

كانت عشتروت آلهة الجمال عند البابليين. 

كانت إيزيس آلهة الجمال عند الفراعنة. 

كانت فينوس آلهة الجمال عند الرومان. 

وكانت العزَّى، واللَّات، ومَناةَ وسواع عند العرب. 

يُستدَّل من ذلك أن جميع الأمم والثقافات والحضارات، إتفقَّت على تشبيه المرأة للآلهة، وبالتالي أي تشويه لهذه الصورة كما قام به بعض المؤرخين والفقهاء العرب لا يُمكن الإعتداد والأخذ بصحته، وذلك للأسباب الآتية :  

  - في الحروب لعبت المرأة العربيَّة قبل الإسلام دورا كبيراً فيها وذلك بإثارة روح الحماسة في صفوف الرجال، وتشجيعهم علي بذل النفس والنفيس لتحقيق النصر لقبائلهم. 

وقيل في دور المرأة العربيَّة الأخبار العديدة منها :

عندما إستحكم الصراع بين الغساسنة والمناذرة قامت حليمة بنت الحارث الغسانى تتفقَّد جنود أبيها بنفسها، وتدهن أيديهم بالطيب والعطر، وهى تبث فيهم روح  الحماسة والإصرار على النصر.

عند محاربة قريش للمسلمين في يوم أُحد خرجت نسوة قريش تقودهن هند بنت عتبة زوجة أبى سفيان يتجولن في الصفوف، ويضربن بالدفوف، يستنهضن الرجال، ويحرضوهم علي القتال.  

كانت النساء تصاحب الرجال إلى ساحة القتال لمداواة الجرحى، وحمل الماء إلى العطشى، ولم يقتصر دورهن عند هذا الحد فحسب، بل بارزن بالسيف، وامتطين صهوة الجياد، ورفعن لواء الحرب، وكانت لبعضهن صولات وجولات لا تقل عن فرسان قبائلهن.

  -  المرأة العربيَّة قبل الإسلام،  قادرة على أن تشعل نار الحرب والقتال بين القبائل. 

  - المرأة العربيَّة قبل الإسلام،  قادرة أيضا على وقف القتال والدعوة للسلام، وحقن الدماء، وإنهاء الخلاف. 

  - أي إعتداء على المرأة العربيَّة قبل الإسلام، كان سبباً في اندلاع الحرب بين القبائل، وإراقة الدماء. 

وقد ذكر التاريخ أن السيدة  ليلى أُم  الشاعر عمرو بن كلثوم لما صرخت بأعلى صوتها  " واقوماه " لم يملك إبنها الشاعر إلا أن إستَّل سيفه وذبح عمرو بن هند ملك الحيرة، وسبى خيله، ونسائه عقابا له  لتعمُّد والدته إهانة ضيفتها  أُم  الشاعر. 

  - إشتهرت بعض نساء العرب بالحكمة والعقل ، فكُّن مرجعاً  للرجال  يأخذوا بمشورتهن ، ويسمعوا لأرائهن،  وقد رأينا كيف تمكنت سعدى أم أوس بن حارثة من إقناع إبنها  بالعدول عن قتل الشاعر الذى هجاها وهجاه، والعفو عنه والإحسان إليه. 

  - في الحياة الأدبية فقد برزت نساء شاعرات، أجدن في نظم الشعر وقد إمتلكن  من فصاحة اللفظ ، وجزالة المعنى ما جعلهن على قدم المساواة مع فحول الشعراء. 

وكان من أشهرهن :

جليلة بنت مرة.  

والخنساء التى بلغت من الفصاحة والبيان والشهرة ممَّا أهَّلها لأن تقوم بالتحكيم بين كبار الشعراء المتنافسين، وقد قال عنها النابغة الذبياني :

إذهبي فأنت أشعر من كل ذات ثديين، لولا هذا الأعمى ( كنية الأعشى الأكبر ) أبا بصير أنشدني قبلك، لفضلتك على شعراء هذا الموسم، وقلت إنَّك أشعر من الجن والإنس. 

  - كما برزت منهن طبيبات ومعالجات ( ممرضات، وقابلات )

وإذا كانت المرأة العربيَّة قبل الإسلام،  تمتعت بكل هذا الاحترام، فإن الأم بصفة خاصة حظت بمكانة مرموقة حيث حرص ابناؤها على برها وكسب ودها، وجاء الإسلام ليؤكد هذه النزعة  فقال :  " ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا ". 

  - الوضع الإجتماعي للمرأة  العربيَّة قبل الإسلام، كُنَّ طبقات في المجتمع القبلي :

  - فقد حظيت نساء الأشراف والأغنياء في بيوتهن بالراحة والدعة، تخدمهن جوارى وإماء ، يقضين أوقات فراغهن في التزين والتبرُّج، وعقد المجالس مع  نساء  طبقتهن  للحديث والمسامرة. 

  - أمَّا المرأة العربيَّة قبل الإسلام، في الأوساط العامية أو البدوية،  فكانت أقل حظاً من مثيلاتها من أبناء الطبقة الراقية،  إذ وقع على عاتقهُن مسؤولية البيت ورعاية الأولاد، فضلاً عن ذلك كانت بعض النساء تشارك زوجها في كسب العيش والسعي للرزق، ومنهُّن من عمل بالكهانة والعرافة والتنجيم ،

وقد أوردت المصادر التاريخيَّة جانباً من أخبارهُن  خاصة وأن معظم العرب كانوا يلجأون إليهن لمعرفة المجهول أو قراءة الطالع أو للتعرف على إرادة ومشيئة الآلهة. 

الخلاصة في وضع المرأة العربيَّة قبل الإسلام :

كان إهتمام العرب قبل الإسلام  بالمرأة إستثنائياً  بين الأمم، فإهتموا بحفظ كرامتها وسترها. 

كان للنساء خدر في المسكن وهو الساتر الذي  يوفر لهُّن الحرية والخصوصية وفي الخارج كانت النساء تلبس ما يسترها وتركب في الهودج عند السفر. 

كان من النساء قبل الإسلام :

 -  الطبيبة ك شفاء بنت عمرو. 

 -  وسيدة الأعمال خديجة بنت خويلد كانت تجارتها تعادل ثلث تجارة مكة بأكملها. 

 -  وصلت المرأة إلى مراتب عليا  سياسية، كما هو حال :

 ( بلقيس ملكة سبأ. وزنوبيا ملكة تدمر)

 -  أو تميَّزن بالشخصية القويَّة أو برجاحة العقل :

مثلاً زرقاء اليمامة، كانت تستشرف بذكائها ما وراء الأفق. 

وجهيزة، قطعت ببلاغتها قول كل خطيب. 

وفيلة الانمارية كانت تاجرة مهمة تبيع وتشتري بنفسها. 

وخالدة بنت عبد مناف، وصحر بنت النعمان إشتهرتا بالحكمة والذكاء والكمال

وكانت العرب تتحاكم عندهن في المشاجرات والأنساب. 

وهنالك خولة بنت الأزور الفارسة الشجاعة. 


أخيراً :

أقول آن الأوان …

أشعلوها ناراً في صحراء عقول بعض الرجال. 


المُدوَّنات الفيصليَّة

فيصل المصري 

تشرين أول ٢٠٢٦ 

اللوحة الزيتيَّة من أعمال الفنانة ناديا رافع أبو الحسن. 





الأحد، 26 يوليو 2026

مُلوك وأمراء الطوائف في الأندلس. مُلوك وأمراء الطوائف في لبنان. دراسَّة تاريخيَّة.

 




ملوك  وأُمراء الطوائف في الأندلس. 

ملوك وأمراء الطوائف  في لبنان.

دراسَّة تاريخيَّة.   


المُقدِّمة التي لا بُدَّ منها :


في لبنان يُطلق مصطلح "ملوك وأُمراء الطوائف" على الزعماء السياسيين الذين يُعتبرون رموزاً للأحزاب والطوائف الرئيسيَّة في البلاد تشبُّهاً بملوك وأُمراء الطوائف في الأندلس الذين أضاعوا مجد العرب في الأندلس ( أسبانيا ) بسبب فقدانهم الشرف  والكرامة. 

تاريخياً جرى توزيع السلطات السياسيَّة في دولة لبنان الكبير ما بين الطوائف والأحزاب التي تمثلها، حيث تتصارع من أجل النفوذ والمنافع والمراكز القيادية، وتعود هذه المنظومة إلى الميثاق الوطني الذي جرى توقيعه في العام ١٩٤٣ والذي يعتبر أساس الفساد السياسي اللبناني. 

ومع ذلك يبقى هذا المصطلح له طابع ساخر لأنَّ الأديان ( السماويَّة ) مُنذ هبوطها على البشريَّة ما زالت تزرع الشقاق والحروب فيما بين الشعوب بعد أن نجحت هذه الأديان ( السماويَّة ) في طمس الحضارات السامية التي سبقتها والتي سادت البشريَّة لقرون عدَّة مِن الفلسفة والفكر والعلم والأخلاق والعمران مثل الحضارة الرومانية واليونانية والسومريين والفراعنة وسوق عُكاظ العربيَّة وحضارة وادي الهندوس في شبه القارة الهندية وحضارة الصين القديمة، وحضارة الإغريق  وحضارة المايا والأزتيك في الأميركيتين ( العالم الجديد ). 

وقد لخَّص  أبو العلاء المعري نظرته بالأديان وقال شعراً :

في اللاذقية ضجة ما بين أحمد والمسيحُ … 

هذا بناقوس يدق وذا بمئذنة يصيحُ …

كلٌ يعظِّم دنيه يا ليت شعري ما الصحيحُ …

الصحيح هو ما نشهده هذه الأيام مِن حروب دينيَّة. 


في هذه المدوَّنة سأُوضح  أوجه الشبه ما بين الأندلس ( الأمس ) ولبنان ( اليوم ) وكيف يطير الْمُلْك أو الحكم بفعل ملوك الطوائف، إنَّها دروس من التاريخ العربي،  كانت بعنوان ملوك الطوائف في الأندلس. 

وأصبحت اليوم بإسم ملوك وأمراء الطوائف في لبنان. 


إلى ملوك وأمراء الطوائف فِي لبنان، دعوني أقوم بتذكيركم بما قاله مؤرِّخ الأندلس أحمد بن محمد المقرِّي في ضياع الأندلس ( بينما السلطان محمد الحادي  عشر أبو عبدالله  منصرفٌ عن الأندلس حانت منه التفاته أخيرة إلى عاصمة ملكه غرناطه، ودمعت عيناه فنهرته أُمَّه وقالت له يحق لك أن تبكي كالنساء مُلكاً لم تستطع أن تدافع عنه كالرجال. استوطن هذا السلطان بعد رحيله عن الأندلس كما قال ( المقرِّي ) مدينة فاس وفيها توفي  سنة ١٥٣٣ مخلفاً أولاداً كانوا  عرضة  للعوز والفقر ويعدّون من  جملة الشحاذين. 

( يراجع  في ذلك كتاب، النفح، للمقرِّي  جزء ٢ ص ٨١٤ و ٨١٥. أذكر ذلك لانَّ نهاية هذا السلطان كانت مُخزية وفِي الوقت ذاته عبرةً  لمن يعتبر ). 

كذلك دعوني أقوم بتذكيركم بما قاله إبن خلدون :

( إنَّ الترف يقود إلى حبُّ الدنيا والتمسُّك بالحياة وإنَّ الشخص الذي يُحبُّ الدنيا ينشغل بها، فيُعرض عن الأرض والعرض والدين والكرامة وإذا أذِن الله بانقراض المُلْك من أُمة حملهم على ارتكاب المذمومات وانتحال الرذائل ).


هذه المُدونَّة لا تتناول المآثر الفكرية للعرب بالأندلس، ولا تتناول الأدب والشعر بأقسامه كالموشحات ولا العلوم الفلكية  والجغرافية  والرياضيات، ولا تشير إلى أثر الحضارة العربيَّة على الغرب، حيث كانت أوروبا تعيش في  عهد الظلمات العلميَّة والفكريَّة والدينيَّة، كما وإنَّ هذه المُدوَّنة لا تتناول الاهازيج اللبنانيَّة الكاذبة والسخيفة ( لبنان يا قطعة سما، لبنان بلد الإشعاع والنور وأهلًا بالطلِّة والوطن في ظلام دامس ). 


في الأندلس كان للشعب مآثر جمَّة وعظيمة ولهذا السبب كان ضياعها حدثٌ  تاريخي، وهذا ما ينطبِّق أيضاً على الشعب اللبناني الذي حينما تحل أقدامه في بلاد الإغتراب  يعلو شأنه من دون التقيد أو النظر إلى طائفته أو دينه، كما قال الرئيس دونالد ترامب في إحدى خطبه أثناء استقباله رئيس الجمهورية اللبنانية الجنرال جوزيف عون أثناء زيارته منذ أيَّام للولايات المتحدة الأميركيَّة. 


يُخطئ من يظن أنَّ ملوك الطوائف فِي لبنان إختلفوا أو يختلفون على حقوق طوائفهم أو مذاهبهم ( السماويَّة ). 

يُخطئ من يظن أنَّ الإستبلشمانت العالميَّة حاملة السوط  ومسَّاس الانضباط ( الولايات المتحدة الأميركيَّة وبعض دوَّل أوروبا ) لا تُحبِّذ الإبقاء على ملوك الطوائف فِي مواقعهم مع تغيير في الموروث، بالرغم مِن سرقة العصر في نهب مُدخرات هذا الشعب اللبناني في المصارف،

ولهذا السبب  سيحِّل الخسوف ويعود الوطن المذبوح  للتسكُّع ومِن ثم الخلاف والاختلاف على النهب والسرقة مِن المساعدات الدوليَّة والعربيَّة بعد سنوات، والشعب اللبناني سينعم في الظلمة التي أرخى عتمتها ملوك الطوائف وورثتهم.

ولتذكير الشعب اللبناني العنيد، ولعلَّ الذكرى تنفع بأنَّ 

العرب أجمعوا ولأول مرَّة في تاريخهم على القول أنَّ سقوط الأندلس أُعتبر بنظرهم  ( مِحنَّة إسلامية عربيَّة بإمتياز ).


ما يجري في لبنان اليوم ما هو إلا بداية محنة سقوط هذا الكيان الذي ما انفكَّ منذ استقلاله على قهر شعبه وإذلال مُثقفيه، والعمل على تهجيرهم طلباً للرزق الحلال بعد إتفاق ملوك وأُمراء هذا الكيان على نهب ثروات البلاد 

( والاختلاف عند تقسيم المغانم )، وإدخال الشعب اللبناني في حروب طائفية أو مذهبية  وصولاً إلى تفاهمات في توزيع المغانم والسلطات والوزارات والإدارات  الحكومية، فيما يُعرف ب Endless wars. حسب تعبير وزير خارجية الولايات المتحدة الاميركية ماركو روبيو. 


في المُدونَّة  :

بعد السقوط المُدوِّي للخلافة الأُمويَّة في الأندلس ، نشأ على أنقاضها  دول ودويلات،  كان الهمّ  اليومي لهذه الدويلات  التنازع  والتخاصم  فيما بينها، وقد شهد النصف الأول من القرن الحادي عشر أكثر من ٢٠ دويلة أو مدينة أو مقاطعة  تزعَّمها  أُمراء وسادة  عُرفوا عبر التاريخ عند العرب  ب ( ملوك وأمراء الطوائف ). 

ومنهم :

بنو جهور في قرطبة. 

بنو عباد في إشبيلية. 

إبن زيري في غرناطة. 

بني حمود في مالاقه. 

بني ذي النون  في طليطلة. 

بني هود المنذرية في سرقسطة. 

بني صمادح في المرية. 

بنو الافطس  في بطليوس. 

بنو برزال  في فرمونه. 


وفي لبنان منذ استقلاله بلغ عدد زعمائه الذين تسَلَّموا مقاليد الحكم ما يقارب ملوك  وأمراء الأندلس عدداً. 

في هذه المُدونَّة  سأذكر أوجه الشبه ما بين وضع لبنان وتناحر ملوكه وأمرائه في هذا الزمن،  مقارنة مع  تناحر ملوك وأمراء الأندلس منذ قرون مضَّت والذي أدَّى في نهاية المطاف إلى ضياع الأندلس.  

كانت الأندلس كما لبنان يزخران  بالمآثر الفكرية والأدبيَّة والشعر والعلوم، كان البلاط  الملكي الإنكليزي، يرسل أميراته الى الأندلس، ليتلقَّين أصول السلوك  الأرستقراطي  من الأميرات العربيات.

يُراجع بذلك : ابن خلدون ( ١٣٣٢ - ١٤٠٦ ) الذي دخل وسكن غرناطة  وغيره من المؤرخين الذين إستفاضوا في الكتابة عن الأندلس وأخبار ملوكها أخصُّ  بالذكر :

الإدريسي ، إبن عذارى ، المقري، إبن خلكان  وغيرهم. 

كان لبنان في القرن الماضي حتى الأمس القريب مقصداً للطلاب العرب ليتلقُّوا  العلم في الجامعات والمعاهد. وقد كان لخريجي الجامعات في لبنان من الدول العربيَّة  دور فعَّال  في إستلام مقاليد الحكم في بلادهم.

كانت الجامعات الأوروبية والأميركيَّة تقبلان إكمال الدراسات العليا في كلياتهم لخريجي الجامعات اللبنانية دون إمتحان دخول. 

كان للعرب، مآثر جمَّة وعظيمة في الأندلس، ولهذا السبب كان ضياعها  حدثٌ  تاريخي لا يُصدَّق، إذ قال أحد المؤرخين  ومنهم :


Lane - Poole , Moors in Spain

إنَّ سقوط الأندلس  هو شذوذ عن القاعدة  التي تذهب إلى أنَّ المدنيَّة العربية  ترسخ وتعمَّر  حينما تحِّل أقدام العرب ما عدا اسبانيا.

كان للعرب محبَّة جامحة إلى لبنان وشعبه، عندما كان منارة مضيئة تجلبهم حيث وسائل الحياة الأساسية من كهرباء وماء وطرقات، ولكن مزاريب النهب والسرقة من قبل حُكَّامه أذهلت العالم في حجم الأرصدة المنهوبة لدى المصارف الأجنبية. 

كانت للنساء زوجات، جواري وغيرهن  في البلاط عند الملوك والأمراء  في الأندلس حظوة  كبيرة.

وكانت لدى النساء أيضاً سطوة  في خلق المكائد  وشراء المناصب والرشوة  وغير ذلك من فساد الادارة. 

أمَّا في لبنان الوضع لا يختلف ، حيث لدى زوجات الزعماء  ميزانيات خاصة تصرف لهم من المال العام.   


أخيراً  …

بعد أنْ  كان لبنان بلداً  سياحياً بإمتياز. 

بعد أنْ كان لبنان مصرفاً تودع فيه مُدَّخرات وأموال العرب. 

بعد أنْ كان لبنان ملاذاً آمناً لكل طالب سكينة. 


بات لبنان اليوم في مهَّب الريح، تعصف به الرياح العاتية وتنذر بعواقب الأُمور.  

كل ذلك بسبب الجشع والنهب والتسلُّط ونبش القبور والإستئثار  بالحكم والإرتهان  والإبتهال  للخارج. 


هذا بإختصار شديد. 

وغداً لناظره قريب. 



فيصل المصري

صليما المتن الأعلى. 

مرقد الاباء والاجداد. 

تموز ٢٠٢٦


مُلحق فيه قصص مُخزية عن أُمراء وملوك الطوائف في الأندلس وكيف كانوا يُديرون ممالكهم  :


هناك  قصة عن  والدة  السلطان  محمد الحادي عشر أبو عبدالله وكان  اسمها  فاطمة،  حيث  كانت  معه وترافقه كالظل، لأن  والده  أي  زوجها  السلطان  الأبُّ أبي الحسن  آثر جارية  نصرانية  عليها.  يقول المقري أنَّ اسمها رومية،  فقامت بتحريض  ابنها، على زوجها لأن خلاقين الحسد ومراجل الغيرة،  بدأت  تغلي  في قلب فاطمة،  وقد استطاع  الابن أن يخلع  أباه وأصبح سيداً  لغرناطة. 

بنو عُبّٓاد :

يرجع نسبهم، إلى ملوك الحيرة اللخّميين، وبرزت هذه الدويلة  بمساع ٍ من أحد أفرادها  وكان  قاضياً في إشبيلية وقد استعان برجل يشبه الخليفة الأموي المخلوع هشام الثاني :

يقول ابن خلدون أنَّ  هذا الخليفة قد اختفى،  كذلك أكد ابن الأثير، وابن الخطيب  هذه المعلومة التاريخيَّة، ولكن هذا القاضي أبقى هذا الخليفة المزعوم واستمر بالحكم إلى أن مات القاضي، وخلفه ابنه بوظيفة حاجب للخليفة المزعوم، ثم  ما لبث  أن أعلن نفسه الحاكم المطلق، وسمى نفسه المعتضد،  وقد قال معظم  المؤرخين الذين ذكرتهم ( أنَّ هذه الدويلة مهزلة المهازل )


إليكم قصة ثانية عن هذا ( الملك المعتضد ). 

كان شاعراً وكان  يطلب من  الشعراء أن يأتوه ليبارزهم في الشعر، وكان كريماً وله شعر فيه من الرِّقة والجمال، وفوق ذلك كان يحب النساء كثيراً وقد توسّع في حريمه، إذ كان له  ٨٠٠ امرأة  فارهة  الجمال. 


إليكم قصة اخرى :

للمعتضد، ابناً خلف  أباه بالحكم اسمه  المعتّمد، قال عنه ابن خلكان  أنه كان أكرم ملوك الطوائف وأرحبهم ساحة، وقد  بزَّ  أباه  في  مضمار الأدب والشعر،  بحيث  لم يجتمع  بباب أحد الملوك  أعيان وجمهّرة من الشعراء مثل ما كان يجتمع ببابه، وقيل إنَّه أندّى وأكرم الملوك قاطبة، وأديباً من الطراز الرفيع ، وسريع الخاطر  وقوي  البديهة، وكان لا يستوّزر وزيراً  إلاَّ  إذا كان أديباً، أو شاعراً وكان مهووساً بحفلات الإنس  يحضرها  وهو متنّكر  وقال عنه ( المقري ) أن أحب زوجاته إليه جارية فاتنة الجمال إسمها أعتماد، وقد أُشتهرت، بإسم إعتماد الرميّكية، وأصبحت ملكة وولدت له أمراء أذكياء وكانت رغباتها تُطاع وأهوائها تكلِّف الخزينة مالاً وفيراً، مثلا قالت  له بعد تساقط الثلج على قرطبه  أنها تُحّب  هذا المنظر على مدار السنه أو أقله  فأمر المعتمد، أن تُزرع أشجار اللوز على هضاب قرطبة  لأنها تزهر في أخر الشتاء  فتظهر بيضاء كالثلج. 


وهناك قصة أخرى  عن الملكة إعتماد ألرميكّية وزوجها الملك المعتمد، إذ رأت ذات يوم ٍ بعض النسّوة يمشينّ  في الطين ( الوحل ) فاشتهت أن  تمشي مثلهن  فأمر المعتمد أن تُسحق  الطيوب وتذّر في باحة القصر، ونُصِبّت الغرابيل ( جمع غربال ) وصبوا ماء الورد على الطيوب  وعُجِنت بالأيدي  وأصبحت  كالطين  وسارت الملكة، مع جواريها عليها. 

وهناك قصص أخرى  تُظهر سطوة النسوة، ومكائد الوزراء، وضعف الأمراء  وشراء المناصب  والرشوة،   وغير ذلك من فساد الادارة،  حتى أينعت هذه الدويلات، وحان قطافها  بعد أن توَّحد الأمراء المسيحيون  وقضوا على  هذه الدويلات الواحدة تلو الاخرى.